استِلهامُ المُستقبلِ من دروس الماضي!

بقلم محمَد بشير علي كردي
مدريد - السبت 25 اكتوبر 2014

ما أن عاد صديقي الياباني من الأراضي المقَّدسة بعد تأديَةِ فريضةِ الحجٍّ في بيت الله الحرام في مكَّة المُكرّمة، حتَّى اتَّصل بي ليُقصَّ عليَّ، كما قال، جلالَ المناسَبة وما تركته من انطباعاتٍ في نفسه متمنِّيًا أن يتمكَّن كلُّ مسلمٍ من تأدية ركنِ الإسلام الخامِس الذي يتجلَّى الإسلام فيه بأروع وأنبل معانيه.

وبالإضافة إلى شعورٍ سامٍ بالقرب مِن الخالقِ، تركَّز حديثه معي على ما شاهده من تقدُّم في أداء الخدماتِ لضيوف الرحمن في المشاعر الحرامِ والحرمين الشريفين في كلٍّ من مكَّة المكرَّمة والمدينة المنورة ، وما تبذله القيادة السعوديَّة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده الأمين ووزير الدفاع صاحب السمِّو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز من جهد في الحفاظ على أمن المملكة وأمان شعبها ورفاهيَّتة، والحرص على سلامة الحجيج الذين قصدوها لتأدية مناسك الحجِّ، أو لطلب الرزق. وقالَ بأنَّ هذه المناسبة الدينيَّة لا مثيل لها في العالمِ، ففيها يجتمع آلاف مألَّفةٌ من مسلمي المشرق والمغرب، فتتآلف القلوب، ووتبادل الآراء. ومع روعة هذه اللقاء، إلا أنَّ ما آلَ إليه حال العديد من الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة من فرقة وانقسام وتناحر على كراسي السلطة تحت غطاء الطائفيَّة تارة وتحت راية الشهادتين تارةَ أخرى، يدمي القلوبَ، وظهرَ ذلك جليًّا في أحاديثه مع الكثيرين الذين التقاهم.

يقول إنَّ معظم من أتيح له أن يتحدَّث معهم عن تداعيات ما سمِّي "الربيع العربي"، ووصفته وزيرة الخارجية الأمريكيَّ في حينه بِـ "الفوضى الخلاقَّة" في منطقة الشرق الأوسط، يشاركونه شعور الألم المصُاحب بالقلق والخوفِ من الحلقات المتبقِّية من مسلسلِ العنف والقتل والتدمير عشوائيا بِفئات فَقَدَت حسهَّا الإنسانيَّ، ورفضت قبول الآخرَ، واستعاضت بالعنفِ والقتال عن لغة الحوار والمجادلة التي أشار إليها ربُّ العالمين: ﴿وَجَادِلْهَم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾، وَ "بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ"، وَ"أَمْرُهُمْ شُوْرى بَيْنهُم". وقال في تقديرهْ، جميع من تحدَّث معهم يُشاطِرنه الخوف من أنَّ الوضع المزري في المنطقة العربيَّة وعدد من الدول الاسلاميَّة لسوف يبقى على ما هو عليه حتَّى إشعار آخر، تحدِّد يومَ توقُّفه الدولة المهيمنة على مقدَّرات الأمم وموارد الشعوب، وفي مقدَّمتها تلك التي أفاء الله عَلَيْهَا بنعمةِ الَّذهب الإسود تحت ترابها وفي أعماق مياه خليجها خاصَّة، واستكثر عليها أولئك الذين تولَّوا الحفاظ على البترودولارات العربيَّة في خزائن بنوكهم فيما وراء البحار، ووضعوه تحت تصرُّفهم لسدادِ فواتير "العَون الأمني" مُمثَّلاً في ثمن العتاد العسكري والتدريب عليه لجيوش الدول المنتجة للطاقة، في حروبٍ قد، لا سمحَ الله تُفرض علينا. وليس سرًّا، كما يؤكِّدُ صاحبي الحاجُ الياباني، بأنَّ الحرب الدائرة اليوم لا يوقفها هذا العتاد العسكري المتقِّدم لكون وقودها هم العرب والمسلمون على اختلاف طوائفهم ومعتقداتهم وطموحاتهم وسيَّانِ أيِّ منهم دمَّر الآخَرَ. وكلُّ ما تنتجه مصانع الإسلحةِ تجَّار الدم مُعدٌّ للتصدير بمجرَّد شرارة هنا وأُخرى هناك لتأجيج نار الفتنة، وتكون طائراتُ مٌشعلِها بطيَّار أو بدون طيَّار جاهِزة لالقاء حمولاتها عشوائيًّا مسببَّة الدمار وزهق الأرواح لأناس لا ناقة لهم ولا جمل فِيمَا بجري حولهم!

وبشعورٍ من الحُرقة والألم وبصوتٍ يشوبه الحزن، يضيفُ الصديق بأنَّ حالة الفوضى المدمِّرة التي عمَّت العديد من البلدان العربيَّة ليست طارئة علها. فتاريخ المنطقِة في حدود ما سُمِّي الشرق الأوسط الكبير حافلٌ بالعديد مِن الفتن والخلافات الدينيَّة والمذهبيَّة حتَّى في العصور الذهبيَّة للخلافتين الأمويَّة والعباسيَّة، وقبلها وبعدها بالغزوات التي اجتاحت بلاد الشام والرافدين من الشرق والغرب، ونهايةً بتداعيات معاهدة "سايكس بيكو" التي رسمت للعرب حدودُا "مقَّدسة" ما بين أراضيهم، وزرعت في قلب مقدَّساتهم حكومة إسرائيل التي لَم تألُ جهدا منذ أن تمكنت من وعد بلفور في تهويد معظم التراب الفلسطيني، ووممارسة أبشع صور التمييز والاستعباد والاضطهاد بأهل فلسطين، مهجِّرة أكثرهم، ومذلَّة من بقي منهم تحت أسقف بيوت آبائهم وأجدادهم.

ويضيفُ: في الوقت ذاته: يشهد التاريخ على أنَّ أمَّتكم وشعوبكم بعد كلِّ غزٍو وفتنةٍ واضطهادٍ تنهض من كبوتها وتخرج من نكبتها أكثر قوَّة وعزيمة مزيلةً آثار العدوان، ومعيدة البناء أفضلَ مما كان عليه في السابق. وهذه من شيم الأُمم المنغرسة جذورها في أعماق تربتها. تنتج أجيالا من القادة والحكماء والعلماء ليساهموا في رفاهية أمَّتهم، وإسعاد الشعوب والأمم الأخرى. في هذا الدرس من الماضي، يتأكَّد القولُ بأنَّ القارَّة الأسيويَّة، أُمَّ الحضارات، فهي أشبه بالجسد الواحد، ذراعه اليمنى في أقصى الشرق، حيث اليابان وذراعه اليسرى في أقصى الغرب، حيث بلاد العرب. ولا يخفى على عاقل ما لليدين في دور في حركة الجسم وتكامل قوامه.

ولا أدلُّ على ذلك من مشاهدة العالم ما أحاق باليابان من دمار طال الحجر والبشر، وتمكَّنت الإرادةُ البشريَّة اليابانيَّة مسلَّحة بالعلمِ والتصميم من إعادة البناء والتربُّع على قمَّة العلم والمعرفة. ويقول صاحبي: بوسُع شبابكم بسواعدهم القويَّة وإرادتهم المخلصة من إعادة البناء، لتعود بلاد الشام والرافدين أفضلَ مما كانت عليه.

وأنهى حديثه مُذكِّرًا أنَّ اليابان تعمل مَعَ الشرعيَّة الدوليَّة للتوصُّلِ إلى سلم دائم بين سكَّان الشرق الأوسط كافَّة، وهي خيرَ من يُستعانُ بها لتقديم خبرتها في إعادة البناء وتدريب الأطقمْ البشريَّة. وعندما تفعلُ ذلك لا تمُنُّ به، لأنَّ يدها اليمنى تشدُ أزرَ اليسرى في الجسد الواحدِ.

محمَد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي