توأمة مقترحة بين هيروشيما وغزة

بقلم محمَّد بشير علي كردي

مدريد - الأربعاء 13 أغسطس 2014
خاص إلى بان اورينت نيوز

"رُبَّ ضارَّةٍ نافعةٌ"، قالتها ابنتي وأنا أُتابعُ معها على صفحة الفيسبوك تسجيلاُ وثائقيًّا لما لحق بقطاع غزَّةَ من دمار شمل كامل القطاع وألحق أضرارًا بالغة بالبنية التحتيَّة وبالمساكن والمنشأات العامَّة والمدارس ودور العبادة والمستشفيات وأودى بحياة المئات من الأطفال والنساء والشيوخ وترك أضعافًا مضاعفةً من الغزَّاويَّين قيد العلاج من إصابات بالغة وعاهات مستديمة.

تُماثِل ابنتي بعد زيارتها هيروشيما ومتحفها بينَ ما أصاب المدينة وسكَّانها من دمار شامل نتيجة القصف الذرِّي الذي تعرَّضت له عام 1945، وما هي عليه اليوم، مدينة مزدهرة تنافس في أناقتها وازدهارها العديد من مدن العالم، وترى قدرًا من التشابه في آثار العدوان على البلدين الذي أعطى القدرة لليابانيِّين على تجاوزه، ويناضل الفلسطيني من أجل التغلُّب على تداعياته.

استعادت بنيَّتي ما حصل في يوم الخامس من شهر أغسطس عام 1945. في ذلك اليوم، عرفت الإنسانيَّة نوعًا جديدًا من أسلحة الدمار الشامل، لمَّا ألقت طائرة أميركيَّة من نوع "بي - 29" قنبلة، أطلقت عليها اسم "الولد الصغير" على مدينة هيروشيما الواقعة شرق اليابان. انطلقت الطائرة من جزيرة "تينيان" في المحيط الهادي في رحلة جوِّيَّة هي الأخطر من نوعها، وبعد خمس ساعات، وصلت إلى أجواء هيروشيما. كان ذلك في يوم الاثنين، الساعة الثامنة والرُّبع، والناس يتوجَّهون إلى أعمالهم وإلى مدارسهم وجامعاتهم، غيرُ عالِمين أو مُقدِّرينَ ما سيحيقُ بهم في ذلك الوقت من جرَّاء قنبلة ذُرِّيَّةٍ مصنوعة من مادة اليورانيوم التي سقطت عليهم من السماء! قنبلةٌ رمتها الطائرة الأميركيَّة مستهدفةً الجسر الذي يربط جانبيِّ المدينة، لكنَّها انفجرت فوق مستشفى "شيما" على ارتفاع نحو 580 مترًا. مباشرة بعد ذلك، انتشر ضوء أبيض ساطع سببه الإشعاع االذرِّي الإنفجاري الذي قضى على 70 ألف إنسان خلال ثوانٍ معدودة، ثمَّ على 70 ألفًا آخرين خلال مدَّةٍ وجيزةٍ لاحقةٍ. المدينة التي كان يسكنها 350 ألف إنسان أصبحت كلُّها دمارًا في دمار. أمَّا الذين نجوا، فانسلخت جلودهم واحترقت أجسادهم وأصيبوا بالإشعاع. الآخرون الذين لم يصبهم شيء، كان عليهم أن يحرقوا الأموات ويعالجوا الجرحى من أمراض لم يعرفوا ما هي، لأنَّ الناس لم تكن قد سمعت بشيء عن القنبلة الذريَّة.

غطَّت المدينة غيمة مظلمة على شكل فُطْرٍ، سقط منها مطر أسود مُشْبعٌ بإشعاع ذُريٍّ قضى على عشرات الآلاف في المناطق المحيطة بهروشيما. كان الجرحى يصرخون من شدِّة العطش، وما أن يشربوا الماء حتَّى يتقيَّأوا سائلاً لونه أخضر ويموتون.

وترى بُنيَّتي أنَّ إيمان اليابانيِّين بحقِّهم في حياة كريمة قد حفزهم على إعادة بناء بلدهم من أقصاها إلى أقصاها بعد نهاية الحرب العالميَّة الثانية، ودراسة الفلسطينيِّين لهذا الإنجاز الياباني سيحفزهم على الثباتِ والمقاومة حتَّى تُتاح لهم فرصة التقاط الأنفاس التي حرص المحتلُّ على حرمانهم منها. ومن بعد إعادة بناء القطاع، سيكون أنموذجًا حيًّا في ترميم ما خلَّفته الفوضى الخلاَّقة من عطب ودمار في العديد من بلدان العالم العربي. واستشهدت ببيتين للشاعرِ التونسي أبي القاسم الشابَّي في قصيدته التي ألهبت مشاعر الجزائريِّين إبَّانَ مقاومتهم احتلال فرنسا لبلدهم:

إذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أرَادَ الْحَيَاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِي وَلا بُـدَّ للقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِـر

هذه سُنَّة الحياة لِمن أرادها بعزِّة وكرامة، وقد أرادها الفلسطينيُّون حياةً بعزَّة وكرامة، فقدَّموا من غزَّةَ قرابين الشهداء مهرًا لحريَّتهم، غير مبالين بعدد مَن اسْتُشهِد منهم، ما دامت المرأة الفلسطينيَّة ولاَّدةً تعوِّض كلَّ شهيد بولدين أو أكثر. وقد اعتمدوا على الله، ومن ثمَّ على سواعد أبنائهم وبناتهم، وصبر آبائهم وأمَّهاتهم على ما أصابهم في تحقيق أهدافهم، وفي مقدِّمتها كسر الحصار وإنهاء الاحتلال. وقد بدأت حلقات القيد بالتفكُّك مما يبشِّر بقُرب الفرج.

أنهت بُنيَّتي الحديث ببيت شعرٍ يُعزى للإمام الشافعي، أصبحَ مثلاً مأثورًا: "مَا حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْركِ، فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيْعَ أَمْرِكَ." وفقد أخذ الفلسطينيُّون بأيديهم زمامَ قضيَّتهم بعد عقودٍ من الزمن، كانت دول الجوار تتحكَّم في نضالهم، فلا يسمعون إلاَّ جعجعةً دون أن يروا طحنًا. وتمنَّت على الإعلام الفلسطيني إقامة معرض صورٍ ولقطاتِ فيديو في هيروشيما تُبرز ما لحق بالقطاع من دمار، وبكرامة الإنسان من انتهاك، ليشاهده كلُّ مَن يزور هيروشيما، ليُماثِلَ بين ما لحق بالبلدين؛ اليابان وفلسطين من دمار استخدمت فيه القوى المحتلَّةُ أسلحةَ الدمار الشامل، وليعطي وعدًا بأنَّ القطاع لسوفَ يعودُ أفضل ممَّا كان عليه قبل الحصار. وتمنَّت لو أمكن إقامةُ توأمة بين مدينتي هيروشيما وغزَّة، إن لم تكن قد حصلت من قبلُ.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي