ما أَصعبَ الدمعةَ حينْ تجفُّ!

مدريد- الجمعة 27 يونيو 2014

بقلم محمَّد بشير علي كردي

بعد طولِ غيابٍ، عادت رشا قادمةً من اليابان لقضاء إجازة الصيف مع الأهل والأصحاب. عادت محمَّلةً بالتَّحِيَّات والأشواق لي مِمَّن أعتزُّ بصداقاتهم ونبل أخلاقهم في بلد مشرِق الشمس. ولشدَّ ما أعجبها في اليابانيِّبن، كما أسمعت الحاضرين الذين ضمَّني وإيَّاهم مجلس للترحيب بها، أنَّ اليابانيِّين في ترابطهم وتآزرهم وتوادِّهم يهتدون بمباديء مكارم الأخلاق التي بُعِثَ مِن أجلها نبيُّنا العربيُّ محمُّد بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وتقول إنَّها بهذا السلوك النبيل من مُضيفيها، تمكَّنت وعددٌ من الدارسين المُضيَّ قُدُمًا في البحث عن قُدرةِ مَا خلقِه الله من أحياء وجماد، وعلى مراقبة ما يجري حولها من وقائع وأحداث. ولأنَّ الله جلَّ وعلا لم يخلقْنا عَبثًا، فإنَّها تختزنُ كلَّ ذلك في ذاكرتها، ليكون شاهدًا على العصرِ يومَ الحساب.

تقول رشا بأنَّ مدخل بحثها كانَ كتابُ الله الذي ﴿لا يَأْتِيْهِ البَاطِلُ مِِْن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ في الآية الرابعة والأربعين في "سُوْرَةِ الإِسْرَاء": ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فقوله تعالى: "لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" قَدْ تعني إمكانيَّة سماع أصواتِ ما خلق الله من جمادٍ وأحياء دون أن نفقه ما تقوله هذه المخلوقات. ومن خلال البحث، توصَّل علماء حديثًا من رصد ذبذبات صوتيَّة لبعض النباتات، وأنَّ بعض النجوم تصدر أصواتًا مسموعة. فعلى سبيبل المثال، النجم النيوتروني، "الطَّارق" كما وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم، يصدر صوتًا شبيهًا بصوت ضربِ المطرقة، والثقوب السوداء تصدر أصواتًا أيضًا.

فِي رحلةِ بحثها في اليابان، تقول رشا بأنَّ أوَّل ما أثار انتباهها منذ أوِّل يومٍ لها في طوكيو بأنَّ اليابانيِّين لا ينطقون اسم شخص ما إلاَّ مسبوقًا بلفظة "سيِّد". وربَّما ذلك تأكيدٌ لخصِّ الخالقُ الإنسانَ دون مخلوقاته بالاحترام والتبجيل - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.وتضيف بأنَّ التبجيل لا يقتصر على الإنسان فقط، بل في كلِّ ما يرونه مِن معجزات الخالق. فجبل "فوجي" – (Fuji) الذي يُقدِّسه اليابانيُّون، لا ينطقون اسمه إلاَّ مقترنًا بـِ "سان"، السيِّد في اليابانيَّة. فجبل "فوجي سان" بفوهته البركانيَّة، يقعُ في جزيرة هونشو اليابانيّة في المحيط الهادئ بارتفاعِ ثلاثة آلافٍ وسبعمائة وستَّة وسبعين مترًا، وتحيط به خمس بحيرات وعدد من المدن والقرى الزراعيَّة والصناعيَّة والسياحيَّة، وبإطلالة حنانٍ على العاصمة طوكيو، يستحقُّ الإجلال والتبجيل من سكَّان العاصمة اعترافًا بعَظَمَةِ الخالق، وحرصًا منهم على أن يبقى جوارُهم لهذا "الجبل المقدَّس" بعمَّته الثلجيَّة البيضاء على مدار السنة، فرجةً تشيع في نفوسهم جوًّا من السعادة والسكينة.

ولأنَّ الشيءَ بالشيءِ يُذكر، أتت رشا بتقدير وإطراء على ذكر أستاذها المُشرف على دراستها، وتقول بأنَّه تتلمذ على بدِ البروفسور عمر ميتا الذي اعتكف في جبل "فوجي سان" ليتفرَّغ إلى ترجمة معاني القرآن الكريم من اللغة العربيَّة إلى اللغة اليابانيَّة. فاستيفاءً لبحثها، رافقها وزميلاتِها في البحث في عدَّة زيارات لمواقع متفرَّقة على سفوح "فوجي سان" أتاحت لهم الاستمتاع بالطبيعة الخلاَّبة المحيطةِ بـِ "الجبل المُقدَّس". وفي واحدة من تلك الزيارات، في ليلة صافية يلفُّها الهدوء، والبدر تحفُّ به النجوم، سرح بها الخيال وهي تمعن النظر في عمَّة الجبل ناصعة البياض كأنَّها حلقة وصلٍ ما بين الأرض والسماء ترآى لها "فوجي سان" يناجيها في صمتٍ، ويسردُ عليها شيئًا من قِيَمْ اليابانيِّين وتراثهم!

راحت رشا تحدِّثنا بهدوءٍ كالذي شعرت به في زيارتها تلك، مشوبٍ بحماسٍ أبدته ملامح وجهها التي كانت تتفاعل مع كلماتها. واسترسلت تقول بأنَّ في اليابان أُمَّة لا تعرف المستحيل. إنَّهم يتحدَّون قلَّة مواردهم الطبيعيَّة بتعزيز مواردهم البشريَّة التي بها تغلَّبوا على هجمات الأوربيِّين الذين غزوا بلدان الشرق الأقصى لتوسيع رقعة نفوذهم تحت ستار "التبشير". فما كَرُبَ أن أغلق اليابانيُّون في وجه الغُزاة جميع موانئهم من عام 1637 حتَّى عام 1853. وعلى مدى قرنين من الزمن، عكف اليابانيُّون على نموِّ النزعة القوميَّة لديهم، وإقامة نِظامٍ سياسيٍّ ذات سلطةٍ مركزيَّةٍ صارمةٍ، أنعشت فيهم الروح العسكريَّة القوميَّة اليابانيَّة التي أدت لظهور طبقة عسكريَّة بقيادة "شوغون"، حاكم عسكريٍّ عامٍّ، على رأس حُكْم "بوشيدو". نظام قائمٌ على مباديء الديانة الكونفوشيوسيَّة، المُرتكز على قِيَمْ ثلاثة: الحكمة، اليقظة، والشجاعة، أسسٌ تُلخِّص عقيدة "الساموري"، المقاتل الياباني.

لذا، يمكن اعتبار عام 1853 منعطفًا خطيرًا في تاريخ اليابان، حينما حاصر ماثيو بيري، قائد الأسطول الأمريكي السواحل اليابانيَّة وقصفها في شهر تمُّوز/يوليو 1853 ممَّا جعل اليابان تفتح حدودها، وأُجبرت على توقيع معاهدات صداقة مع الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وروسيا وبريطانيا وهولندا وفرنسا. ونتيجة لسياسة الانفتاح تلك، ومن جرَّاء معارضتها من بعض حكَّام الولايات، ورغبة الإقطاعيِّين في المحافظة على سلطاتهم المحليَّة، شهدت اليابان عددًا من الحروب الداخليَّة، استمرَّت لعشر سنوات، انتهت بانهيار حكومة "توكوغاوا" العسكريَّة المدعومة من الإقطاعيِّين. وفي 3 كانون ثانٍ/يناير1868، تولَّى الإمبراطور موتسوهيتو الحكمَ، باسمِ "الإمبراطور ميجي MEIJI"، أي المصلح المتنوِّر.

تميَّزت مرحلةُ حكمه بإصلاحات هامَّةٍ، أبرزها "إعلان مباديء الإصلاح الخمسة". ويعتبر المؤرِّخون أنَّ تاريخ اليابان المعاصر بدأ بعصر (ميجي، 1868‏ ـ‏1912)‏. العهد الذي عَقِبَ مرحلة "شوغِن"، أي نظام "ساموراي" الإقطاعي، وكان بداية أسسٍ حقيقية لنهضة اليابان المعاصر في شتَّى المجالات. ومن فكرة الخصوصيَّة اليابانيَّة الفريدة بشعبٍ متجانس في أرضٍ مقدَّسة، ترعاها الآلهة، ويديرها إمبراطورٌ من سلالتها، أبٌ لجميع اليابانيِّين الذين يشكَّلون عائلة واحدة في دولةٍ واحدة موحَّدة تعتبرهم أبناء متساوين في الحقوق والواجبات، وبلا تمييز أو انقسامٍ طبقيٍّ أو لغويٍّ أو دينيٍّ أو عِرقيٍّ، انطلقت مسيرة الإصلاح المذهلة التي بهرت العالمَ.

حركة الإصلاح المُعاصرة إن صحَّ التعبير، جعلت اليابان بلدًا غنيًّا، لديه جيش قويٌ وقادةٌ حوَّلوا اليابان إلى بلد ديمقراطيٍّ على غرار الغرب، وبشَّروا بمباديء السلام والأمن والاستقرار، وتبنُّوا شعار "تقنيةٌ غربيَّةٌ وروح يابانيَّة." بذا، بدأت اليابان عمليًّا بتبني استراتيجيَّة "الردُّ على التحدِّي الغربي"، وتحويل اليابان إلى دولة قويَّة في مدَّة أقلِّ من قرنٍ – (1853 – 1945)، راحت تظهر عليها سمات "دولة إمبرياليَّة". لكن الإمبراطور ميجي، تمكَّن من عصرنة المجتمع الياباني، وصدِّ مخاطر التدخُّل الأجنبي. فقد عمدت الدولة بأجهزتها كافَّة إلى دراسة الحضارة الغربيَّة وتبنيِّها، ففرضت قانون التعليم الإلزامي معَ إعادة تأهيل القطاع التعليمي، وإنشاء عدد من الجامعات في مختلف الأقاليم اليابانيَّة. من جرَّاء عمليَّة التحديث تلك، تحوَّلت اليابان إلى دولة مركزيَّة حصرت كلَّ الصلاحيَّات بيد الإمبراطور، لتلقى الموافقة الجمعيَّة الطوعيَّة من سائر فئات المجتمع الياباني مُسترشدة بمباديء الديانة الكونفوشيوسيَّة. واستغلَّ النظام الإمبراطوري هذا المسارَ لنشر مبدأ "كوكوتاي" المعبَّرِ عن المشاعر القوميَّة المتشدِّدة المرتكزة على مفهوم "الأُمَّة-العائلة"، و "العائلة– الدولة". ومِن أُولى مبادئها: "أرض اليابان مقَّدسة، ولا يجوز أن تدنِّسها أقدام الغزاة." و "الإمبراطور مقدَّس، وهو رمز لليابان وأبٌ لجميع اليابانيِّين.

لقد أثبت التجانس التام في المجتمع الياباني، والخصوصيَّة التي تنفرد بها اليابان عن العالم، وعقيدة "كوكوتاي" نجاحها المطلق في كسب ولاء الشعب، وكان لها الفضل في النصر العسكريِّ اليابانيِّ الساحق في حروبها ضدَّ جيرانها. ولعلَّ أخطر ما شهدته مرحلة الفكر السياسيِّ اليابانيِّ الذي تبنَّى مفهوم القوَّة والعنف، الذي أنشأ لليابان دورًا تُناط به حماية جيرانها من دول الشرق الأقصى من الغزو الغربي. وبالفعل، فقد أرسلت قواتِها لبلدان تعادل مساحتها خمسة أضعاف مساحة اليابان. ثمَّ دخلت الحرب العالميَّة الأُولى فالثانية التي اسستسلمت فيها اليابان بعد قصفها بقنبلتين ذرِّيتين غيَّرت بهما الولايات المتَّحدة مسار التاريخ في اليابان والعالم أجمع

وَ "رُبَّ ضارَّةٍ، نافعَةٌ"، فقد جعلت اليابان تتبنَّى "استراتيجيَّة" قوامها وقف الانهيار الاقتصادي الذي نتج عن التدمير العسكري الأميركي. عُرفت تلك الاستراتيجيَّة بـ "مبدأ يوشيدا" - (Yoshida Doctrine)، نسبة إلى شوغيرو يوشيدا، رئيس الوزراء الياباني الذي رأَسَ الحكومة لخمس مرَّات 1946-1954، وتمحورت سياسته في "التحالف العسكري الثابت والدائم مع الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، والتركيز على التنمية الاقتصاديَّة الداخليَّة، وعدم رصد أيَّة مبالغ في الموازنة اليابانيَّة لأغراض الدفاع أو المشاركة في أعمال عسكريَّة داخليَّة أو إقليميَّة أو دوليَّة."

أمَّا التحدِّي الأقوى والشجاع الذي قاد البلاد إلى طفرة اقتصاديَّة هائلةٍ من 1960 حتى 1989، وأُطلق عليها "المعجزة الاقتصاديَّة" فقد كان باعتمادِ "مبدأ يوشيدا"، فبِه دخلت اليابان في مرحلة النهضة الشاملة في المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والثقافيَّة، ولتصبح قوَّة اقتصاديَّة في المرتبة الثانية بعد الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة . وبات نفوذ اليابان في السياسة العالميَّة يستند على مقدرتها الاقتصاديَّة فقط. وهكذا، أصبحت التنمية الاقتصاديَّة إحدى أهمِّ قِيَم المجتمع الياباني، وهدفًا رئيسًا للنَّخَب السيَّاسيَّة. فمنذ بداية خمسينيَّات القرن الماضي، أشرف على إدارة البلاد جهاز خدمة مدنيَّة كبير، مُستعينٌ بأذكى وأفضل العناصر التقنيَّة. أمَّا ما ساعد على نجاح التفوُّق الياباني عالميًا، فقد كان التجانس العرقيُّ الذي ميَّز اليابان وما يزال، وجعله شعبًا شديد الولاء للوطن، وعلى درجة عالية من الانضباط في العمل، والقدرة على الابتكارات التكنولوجيَّة. وينفرد الاقتصاد الياباني بوجود فائض تجاريٍّ بشكل دائم، وفي المدفوعات مع بقيَّة العالم خاصَّة. لذا، أصبحت اليابان ثاني أكبر مانح لمشاريع السلام التي تتبناها الأُمم المتَّحدة بعد الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة التي تعتبرها أقوى حليف وشريك تجاري لها، وأكبر دائن أيضًا. وليس بمُستغرب أن يبدي الاتِّحاد الأوروبيُّ حذَرَهُ من النفوذ الاقتصادي الياباني، وبضع استراتيجيات لمواجهته!

ولأنَّ الحديث مع رشا ذو شجون ومتعة وفائدة، تساءلت رشا، هل أعاد سردها لمناجاة جبل"فوجي سان" المقدَّس لها، ذكرياتي في دمشق الشام التي باركها الله، وكما يقول الحديث الشريف، بأنَّ "الملائكة فاردةٌ أجنحتها" على أقدم عاصمة مأهولة ما تزال قائمة! فَكَجبل فوجي سان، لا ريبَ، وإن نسيتُ، أنَّ جبل قاسيونَ المطلَّ على مرتعِ طفولتي وشبابي، كان قد ناجتني منه مغارة "الأربعين" المُتربِّعة على قمَّته التي تُعابق السُّحُبَ. فَهلْ لِي معها جولة كرشا؟ ربَّما!

لم تسمع رشا جوابي، لكنَّها رأته في عيني. فما أَصعبَ الدمعةَ حينْ تجفُّ، ويصمت اللسانُ!

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي