صراعُ الأقوياء وموت الأبرياء!

مدريد – السبت 28 أبريل 2014
بقلم محمد بشير علي كردي

الجمال نعمة ونقمة في الوقت ذاته. نعمة لكونه يسرُّ الناظرين، ويبعث على الراحة والهناء، ونقمة لتكالب القادرين على تملُّكه بالقوَّة والعنف. يتساوى في هذا كلُّ مَن وما هو جميل من بشر وحجر. وإذا ما اجتمع الماء والخضرة والوجه الحسن في موقع مميَّز على كوكبنا الأرضيِّ، كان الصراع وطيسًا بين الغزاة والطامعين. وعندما يشترك المتاجرون بالدين مع الجبابرة من رجال السياسة وقادة الجيوش في الغزو، نجد الأرض تُستباح، والأبرياء يُقتَلون والنساء تُرمَّل والأطفال يُيتَّمون والدماء تسيل دون حُرمة.

كان ذلك في فلسطيننا العربيَّة حيث بيت المقدس والأرض المباركة حوله وما حباها الله من جمالٍ وخيرات، وقد غزاها شتَّات الآفاق من العالم ليقيموا دولة صهيونيَّة تتحكَّم في مفصل قارَّات العالم الثلاث، بتشجيع وتمويل سخيٍّ من الولايات المتَّحدة الامريكيَّة والمملكة المتَّحدة والحكومات الأوربيَّة، وبرفدٍ بشريٍّ من روسيا زمن ما كان يسمَّى بالاتَّحاد السوفيتي. ونرى هذا الغزو اليوم في العديد من دول الشرق الاوسط التي داهمها تسونامي الفوضى الخلاَّقة حيث ما يزال الدم العراقيُّ والسوريُّ ينزف بغزارة، وقد دمَّرت الحرب والفتن كلَّ ما على الأرض من إرث حضاريٍّ، وقتلت مئات الألوف من الأبرياء، وشرَّدت أو وهجَّرت الملايين بعد أن حرقت نيران الحرب وأسلحة المتشبِّثين بكرسي الحكم الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل في بلدان شعَّ منها نور المعرفة والعلم والأخلاق.

نراها اليوم في كرواتيا وشبه جزيرة القرم حيث أعاد الغزاة الروس عقارب الساعة إلى زمن الاتِّحاد السوفيتي، لا بل إلى زمن الإمبراطوريَّة القيصريَّة لمَّا ضمَّت الإمبراطورة كاترين هذه المنطقة التي تمتع بجمال الطبيعية واستراتيجيَّة الموقع المطلَّ على البحر الأسود إلى ممتلكات روسيا القيصريَّة في أواخر القرن الثامن عشر بدعم من الكنيسة الأرثودكسيَّة التي ناصبت السلطنة العثمانيَّة العداء، وشنَّت عليها حروبًا دامية، كان من أبرزها حرب القرم التي سقط فيها أكثر من نصف مليون قتيل بين أعوام 1853 و 1856.

وها هي روسيا بوتين اليوم تضم شبه جزيرة القرم لتحول دون تحقيق رغبة سكَّانها في إقامة جمهوريَّة مستقلَّة بعد أن عانوا من الاحتلال منذ عام 1921 حينما غزاها الاتِّحاد السوفيتي، وكان أغلب سكَّانها آنذاك من التتار المسلمين. ففي نهاية الحرب العالميَّة الثانية، عمد الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين إلى ترحيل المسلمين التتار بأعداد كبيرة بذريعة تعاونهم مع النازي، وأصبحت شبه جزيرة القرم جزءًا من روسيا داخل الاتِّحاد السوفيتي حتَّى عام 1954 حينما تنازل عنها نيكيتا خروشوف الأوكراني، خليفة ستالين لأوكرانيا، إحدى الجمهوريَّات السوفيتيَّة.

وبعد انهيار الاتَّحاد السوفيتي عام 1991، حدثت بعض المشاحنات السياسيَّة بين موسكو وكييف عن وضع القرم، ووصلت اليوم إلى حد المجابهة المسلَّحة والتهديد باستخدام القوَّة ضدَّ الكروات والقرميَّين حماية لقاعدتهم البحريَّة في سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم المُستأجرة من كرواتيا، وأبرم اتِّفاق جديد بين روسيا وكرواتيا عام 2010 بهدف الإبقاء على عقد الإيجار حتَّى عام 2042 مقابل تخفيضات في أسعار إمدادات الغاز من روسيا.

صديقي الياباني قلق على تردِّي الأوضاع في البحر الأسود، وفي شبه جزيرة القرم خاصَّة. ويخشى على من تبقَّى من أهلها المسلمين من مجزرة دامية تعيد للذاكرة تلك الحروب الدامية التي جرت بين الإمبراطوريَّة القيصريَّة والسلطنة العثمانيَّة. فجبابرة هذا الزمن الذين تسيِّرهم الصهيونيَّة العالميَّة بما تملكه من نفوذ ماليٍّ وسلطويٍّ يستهدفون الأقليَات المسلمة حيثما وجدت في العديد من الدول الآسيويَّة والإفريقيَّة. ومَن يطَّلع على بروتوكولات بني صهيون، يقف على مخطَّطهم العنصري. ولا يزالون بما يملكون من نفوذ ماليٍّ وتقنيٍّ وخبرة في هدم القيم والأخلاق قادرين على خلق الذرائع لصدام بين الحضارات. ودورهم واضح وجليٌّ في الهيمنة على سياسة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وقراراتها، وبالتالي على الدول السائرة في فلكها، حيث يعملون على تثبيت دعائم "إمبراطوريَّة" أمريكيَّة تشمل الكرة الأرضيَّة، ليحقِّقوا في ذلك مخطَّطهم في حكم العالم، تمامًا كحلم الاتِّحاد السوفيتي الذي هوى واندثر، ويحاول الرئيس بوتين جمع شتات ما تبقَّى من جمهوريَّاته المغلوبة على أمرها نواةً لإمبراطوريَّة قيصريَّة تحتمي بالكنيسة الأرثودكسيَّة التي يتبعها مسيحيُّيو المشرق، يقابله جهد العاملين على إقامة الإمبراطوريَّة الأمريكيَّة في تسخير الفاتيكان لتحقيق الحلم.

يتطلَّع الصديق الياباني إلى صحوة للعالم الإسلامي، تُحرِّك قادته لتحرير بيت المقدس وما حوله من أراض مباركة من الأسر الصهيوني، وللوقوف إلى جانب الجاليات المسلمة المهدَّد وجودها، لتبقى حرَّة ومكرَّمة فوق تراب وطنها، وتقدِّم للعالم وسطيَّة الاسلام درعًا واقيًا للبشريَّة في وجه طغاة اليوم، ومَن خلفهم من المخطِّطين للفتن والحروب.


الأديب الأستاذ محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان


المقالات الواردة في زاوية "رأي" تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي