جدَّة، أمُّ الرخاء والشدَّة، في عيون يابانية

جدة- المملكة العربية السعودية - بقلم محمد بشير علي كردي
خاص إلى بان اورينت نيوز

احتفلت جدَّة قبل أيَّام بتراثها التاريخي، وأقامت مهرجانًا شارك في أدائه وحضوره عشرات الألوف من المواطنين والمقيمين والزائرين، أعاد للذاكرة ما كان لهذه العروس المتربِّعة على عرش البحر الأحمر من دورٍ حضاريٍّ أثرى علاقات الأخوَّة والتعاون التجاري والثقافي بين الأُمم والشعوب كافَّةً من أقصى شرق آسيا إلى أقصى غرب أفريقيا، ولكونها بوَّابة الموحِّدين بالواحد الأحد. فقد كانت جدَّة وما تزال قِبلة الحجَّاج والمعتمرين منذ أن فرض الله الحجَّ وإلى ما شاءَ من عمر كوكبنا الأرضيِّ.

حضر العرض صديقٌ من اليابان، وتابع باهتمام ما قيل في المهرجان عن تاريخ هذه المدينة التي ضمَّت رفات أُمِّنا حوَّاء، حسب ما ترويه بعض الأساطير، وصمودها أمام جحافل الغُزاة من الفَرنجة حمايةً لبيت الله الحرام في مكَّة المكرَّمة وأمنًا للمؤمنين الذين يقصدونه كلَّما استطاعوا إليه سبيلاً.

ثمَّن بتقدير وإعجاب كورنيش جدَّة الذي يمتدُّ عشرات الكيلومترات ليكون متنفَّسًا لعشَّاق البحر والنسيم العليل من وقتٍ لآخر. فجدّة كما عرفها وكما سمع عنها هي أمُّ الرخاء والشدَّة في كلِّ حالٍ من أحوالها بما في ذلك تقلُب طقسها من حارٍّ إلى معتدل، ومن رطب إلى شبه جافٍّ خلال اليوم الواحد، ولذا يقصد كورنيشها الزوَّار على مدى ساعات الليل والنهار وطَوال أيَّام السنة.

يقول إنَّه شاهد من الطائرة وهي تحلِّق فوق مدينة جدّة استعدادًا للهبوط في مطار الملك عبد العزيز انتشار العمران شرقًا وشمالاً وجنوبًا، وأنَّ أبحر التي زار خليجها أوَّل مرَّةٍ في خمسينيَّات القرن الماضي مجتازًا بسيَّارته العديد من الصبخات قد تجاوزها العمران، فغدت أبحر الجنوبيَّة وأبحر الشماليَّة، وأنَّ اجتياز المدينة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها بالسيَّارة يتطلَّب أكثر من ساعة من الزمن.

وتساءل عمَّا إذا كان مشروع المترو سيُنجز خلال السنوات القليلة القادمة ليخفِّف من زحمة المرور، وينقذ حياة العديد ممَّن يتعرَّضون لحوادث سيرٍ مفجعةٍ تحصد أرواح العشرات في كلِّ يوم بالرغم من كاميرات الساهر التي تعمل ليلاً ونهارًا لتحدَّ من السرعة ويعاقبُ مَن يتجاوز السرعة بغرامات ماليَّة باهظة! عزا سائقَ تاكسي كوارث حركة السير لتحويلات الطرق غرض الصيانة أو لتشييد الجسور والأنفاق، حيث يفقد السائق أعصابه فيتحرَّك بمركبته عشوائيًا، فيتسبَّب بالحوادث، وتمنَّى أن تُنجزَ قريبًا أعمال الطرق، لتبرز جدَّة بثوب عرسها الأنيق!

لفتت نظر صديقي الياباني حركة المرور في طريق الملك التي أخذت بالاتِّجاه الواحد وبسرعة مائة كيلو متر بالساعة وبمخارج في وسط الطريق تتطلَّب من السائق قطع أربع مسارات بطريق ملتوٍ ليصلَ إلى مقصده خلال لحظاتٍ وإلاَّ تجاوز المخرج، وهو تخطيطٌ لا سابقة له حسبَ علمه، وقد يسبِّب الكثير من الحوادث.
سألني عمَّا اذا كان نظام الصرف الصحِّي قد غطَّى كلَّ أحياء مدينة جدَّة، وقد مضى على البدء به ما يقارب العقدين من الزمن؟ فأجبته ليس تمامًا. فحيُّ الروضة حيث أُقيمُ، ويعتبر أحد الأحياء الراقية، ما يزال يعاني من شفط البيَّارات وما تسبِّبه من روائح كريهة وناموس ذي لسعات مُضرَّةٍ ومؤلمة.

لفتت نظره الكثافةُ السكَّانية وما يرافقها من زيادة أعداد المركبات وقلَّة أو انعدام مواقف للسيَّارات، ناهيك عن معابر المشاة التي لم يشاهد منها إلاَّ القليل ممَّا يتعذَّر على أمثاله من عشَّاق الرياضة ممارسة المشي في الصباح وقبل النوم. وأضاف بأنَّه أُشير عليه أن يمارس هوايته في شارع النهضة في حيِّ الروضة حيث كان يتوسَّطه مجرى للسيل ومزرعة للناموس. تمَّ تغطية المجرى وتعبيده، ونسِّق ليلبِّي احتياجات عشَّاق رياضة المشي ولا سيَّما المحتاجين لممارستها كالسيِّدات الحوامل وذوي الأوزان الزائدة. لكن المسافة لا تفي بالغرض.

رافقني إلى "السوبر ماركت" لشراء لوازم البيت. هاله ارتفاع الأسعار عمَّا كانت عليه قبل ثلاث سنوات حينما زارني في جدَّة، ورافقني للسوق نفسه. وأذكر أنَّني شاهدته يدوِّن في مفكَّرته أسعار اللحوم والخضروات والفاكهة والرز والسكَّر والقهوة ليماثلها في الأسعار في بلده. علَّق مذهولاً للفارق الكبير في السعر آنذاك واليوم. وأضاف بأنَّها أكثر من الضعف. أجبته بأنَّ رواتب موظَّفي القطاع العام والمتقاعدين من أمثالي لم يطرأ عليها زيادة منذ ثلاث وثلاثين عامًا سوى ال١٥٪ التي جُزِّئت على ثلاث دفعات سنويَّة، وهذا في نظره أمر مستغرب في بلد يملك احتياطيًّا ماليًّا يحسده عليه حتَّى اليابانيُّون.

سمع عن تجديد مطار الملك عبد العزيز في جدَّة ليكون متميِّزا من مطارات بلدان الجوار، وسيُحتفل بافتتاحه في اليوم الخامس عشر من الشهر الخامس من العام المقبل، ألفين وخمسة عشر ميلاديَّة. رفعت يديَّ الى السماء ضارعًا، ومردِّدًا: إن شاءَ اللهُ، ومعه الاحتفال كذلك، بتسيير سكَّة حديد الحرمين الشريفين.

شاركني الدعاء والأمل، وافترقنا على أمل لقاءٍ في منتصف شهر مايو 2015، لنشهد حفل افتتاح المطار، وتسيير قطار الحرمين الشريفين.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي