الشرق شرق والغرب غرب ومهبط الوحي في الوسط

مدريد- الثلاثاء 22 اكتوبر 2013

بقلم محمَّد بشير علي كردي

في الحادي عشر من شهر سبتمبر من عام 2001، كان الهجوم على برجي التجارة العالميَّة في نيويورك بطائرات مدنيَّة، قيل إنَّ خاطفيها شبَّان مسلمون في عمر الورد، معظمهم من بلدي، المملكة العربيَّة السعوديَّة.

تداعى البرجان في دقائق، وزُهقت أرواح العديد ممَّن كانوا فيهما وقت الحادث. وقبل أن تُخمدَ ألسنةُ اللهب، وتجفُّ دموعُ الثكالى ممَّن فقدوا أحبتَّهم، صدرَ حكمٌ على لسان الرئيس بوش الإبن بأنَّها حرب صليبيَّة، وسيردُّ عليها بأقسى ما يمكن من وسائل الردع.

فكانت حربه على أفغانستان، معقل أسامة بن لادن الذي تبنَّى الحادث فور حدوثه. ولفَّت نيران الحرب الدول المجاورة،ومن بعد، كان العراق الذي ما تزال الدماء تنزف يوميًّا منذ أن سقطت بغداد بأيدي القوَّات الأمريكيَّة. ونالت بالتضييق وانتهاك الحرِّيَّة الشخصيَّة كلَّ عربيٍّ وكلَّ مسلم حيثما كان مقيمًا فوق كوكب الأرض. وما كرُبَ حتَّى فتحت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة أبواب السجون في العديد من الدول المؤتَمِرة بأمرها، ليزَّجَ فيها الألوف من المسلمين، عربًا وآسيويِّين وأفريقيِّين، نُقِلَ عدد كبير منهم في ما بعد إلى مُعتقل جوانتانامو، أغرب سجن في العالم، لا يخضع إلاَّ لقانون الانتقام والتشفِّي والحقد على المسلمين. وفتحت سجونٌ عربيَّة زنزاناتها لتخفِّف الضغط على معتقل غوانتانامو. وما يزال الاعتقال والتعذيب والتشفِّي داخل المعتقل قائمًا، مع تصريح سيِّد البيت الأبيض يوم تسلُّمه الرئاسة بأنَّه سيقفل هذا المعتقل الذي يشكَّل وصمة عارٍ في جبين الدولة العظمى! هذه الدولة التي دأبت على تلقين الشعوب مبادئ حقوق الإنسان، وتدعوهم إلى الفوضى الخلاقَّة لنهج سُبُلِ الديمقراطيَّة من أجل الحقِّ والعدل والمساواة! غير أنَّ ما كلُّ ما يتمنَّاه السيِّد أوباما يدركه. فللجبابرة في الدولة العظمى القدرةُ الفائقةُ على تحجيم طموحات السيِّد الرئيس وأمانيه إذا ما تعارضت تلك الطموحات والأماني مع مصالحهم، وكشفت مخطَّطاتهم في الهيمنة على مقدَّرات شعوب العالم من أجل إقامة إمبراطوريَّة أمريكيَّة لا تغيب عنها الشمس بعد أن اختفت الشمس عن بريطانيا العظمى.

ما أخطُّه الآن ليس بالجديد على السادة والسيِّدات من القرَّاء، لكن ارتأيتُ سرده بعد قراءتي مقال الدكتور أسامة يماني عن "الثأر عند اليابانيِّين" في ضوء مصرع الصحافي الياباني شنسوكي هاشيدا الذي قادته مهنته إلى العراق عام 2004 لتغطية المقاومة في الفلوُّجة والمعارك الطاحنة التي كانت تدور فيها. وحادثة الطفل العراقي محمَّد هيثم البالغ من العمر تسع سنوات الذي اخترقت عينه شظيَّة من شأنها أن تهدد العين الأخرى، فيصاب الطفل بالعمى التام إذا لم يعالج في مركز طبيٍّ مختصٍّ. ولأنَّ الفلوُّجة تفتقر، كما افتقرت العراق حتَّى بغداد إلى جرَّاحي العيون الكبار، فقد غادروا العراق بسبب جرائم الخطف وطلب الفدية التي ازدهرت في العراق بعد الاحتلال، فأفرغت العراق من كبار أطبَّائها وجرَّاحيها. لذا، لم يكن بالإمكان علاج الطفل محمَّد هيثم في العراق، فما كان من السيِّد هاشيدا إلاَّ أن التزم أمام عائلة المصاب بتأمين علاج ابنهم.

غادر الصحافي هاشيدا العراق إلى اليابان ليحصل على الأذونات الرسميَّة لعلاج المصاب. وبالفعل، عاد، إلى الفلوُّجة بعد شهرين برًا بوعده، بعد أن أجرى كلَّ ترتيبات العلاج لاصطحاب الطفل محمَّد هيثم إلى اليابان لعلاجه هناك على نفقة الشعب الياباني. هنا حدثت المأساة، فقد شاء القدر أن يقع بأيدي المقاومة التي لا تفرِّق بين عسكري أمريكي وصحافي ياباني، فقتلوه مع خاله الصحافي البالغ من العمر 65 عامًا أيضًا ومعهما مترجم.

هكذا، لقي السيِّد هاشيدا جزاء إنسانيَّته، وفقدت اليابان اثنين من أبنائها. فماذا كان الردُّ ووسيلة الردع اليابانية لسلامة قوَّاتها في العراق التي كانت محدَّدة الأهداف ومحصورة في جهود الإعمار وتقديم مساعدات إنسانيَّة التي بلغ عددها الستُّمائة، أحضرت إلى العراق لتشارك القوَّات الدوليَّة مهمتها.


الردُّ كما ارتأته أرملة الصحافي اليابانيَّة من سلالة الساموراي الشجعان، ومن اتباع الديانتين البوذية والشنتو اللتان تحظى تعاليمها بالتزام جميع اليابانيِّين بها، كان تعهُّد الأرملة للطفل محمَّد هيثم وعلاجه عينيه في اليابان بعد شهر واحد من الحادثة. وهو اليوم في ريعان الشباب، سعيدٌ بعودة النور إلى عينيه. لم تكتفِ الأرملة هاشيدا بذلك، بل أنشأت مشروعًا خيريًّا باسم زوجها الشهيد لمنفعة أطفال في العراق.

وكان هذا المشروع محرِّكًا ومحفِّزًا للحكومة اليابانيّة لبناء مستشفى في الفلوُّجه مزوَّدًا بأحدث المعدَّات والأجهزة الطبيَّة لعلاج أمراض الأطفال السرطانيَّة برعاية الأمم المتَّحدة.

بهذه اللمسات اليابانيَّة الإنسانيَّة، عالجت اليابان حادثة مقتل الصحافي الياباني وخاله اللذين استُشهدا غدرًا وعبثًا في معركة لا ناقة لليابان فيها ولا جمل. وهذه اللمسات، درس من أمَّة النيهونجن (كلمة يابانيَّة، تعني اليابانيين) للكايجين (كلمة يابانيَّة، يُنعت بها كلُّ ما ليس يابانيًّا)، ليعالجوا المآسي والنكبات بالحسنى، وبما يعود بالخير على الإنسان. وكأنَّ اليابانيِّين بهذا السلوك، يتمثَّلون مفهوم الآية القرآنيَّة الكريمة: "الَّذِيْنَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ." وبالحديث النبويِّ الشريف: "إتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السِّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحِهَا، وَخَالِقِ النَّاسِ بِخُلِقٍ حَسَنِ."

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي