الليرة الذهبيَّة، ومن هانَ عليه تدميرُ البلاد

مدريد – الأحد 28 أبريل 2013

بقلم محمَّد بشير علي كردي

"تهرُّبك يا جدِّي من مواصلة سرد حكايات جدَّات أيَّام زمان مرفوض مرفوض مرفوض، والماما تقول: "دخول الحمَّام ليس كالخروج منه."
بهذه المقدِّمة، استوقفتني بُنَيَّتي وأنا أستعدُّ دخول مكتبتي للمطالعة، فوجدت نفسي أرافقها مع أنَّها تجاوزت عمر الطفولة بسنوات إلى غرفة نومها وأخفض نور المصباح تحضيرًا لروايتي وتهيئة لنوم مريح لها.
سألتها أي نوع من الحكايات تودُّ سماعه؟ أجابت حكايات تهيئة جيلنا للمستقبل! فكانت قصَّة أعاد صياغتها القصَّاص جمال علُّوش عن رجل ميسور له ولد وحيد، بالغت أمُّهُ في تدليله والخوف عليه حتَّى كبر، وأصبح شابًّا لا يتقن أيَّ عمل، ولا يجيد سوى التسكُّع في الطرقات، واللهو واقتراف الملذَّات، معتمدًا على المال الذي تمنحه إيَّاه أمُّهُ خفيةً بدون علم والده.
ذات صباح، نادى الأب ولده، وقال له: "لقد كبرت يا بُنيَّ، وصرتَ شابًّا قويًّا، ويمكنك الاعتماد على نفسك الآن لتحصيل قوتِكَ بِكَدِّكَ وعرق جبينك." أجاب الابن محتجًّا: "لكنَّني لا أتقنُ أيَّ عملٍ يا أبي." ردَّ عليه والده: "يمكنك أن تتعلَّم، وعليكَ أن تذهب الآن إلى المدينة لتبحث عن عملٍ. وإيَّاكَ أن تعود قبل أن تجمع ليرةً ذهبيةً، وتحضرها لي.
خرج الولد من البيت، وما إن تجاوز الباب حتَّى لحقت به أمُّه، وأعطته ليرة ذهبيَّة. وطلبت منه أن يذهب إلى المدينة، ويعود في المساء ليقدِّم الليرة إلى والده، ويدَّعي أنَّهُ حصل عليها بعمله وكَدِّ يده. فعل الابن ما طلبت منه والدته، وعاد مساءً يحمل الليرة الذهبيَّة، وقدَّمها لوالده، قائلاً: "لقد عملتُ، وتعبتُ كثيرًا حتَّى حصلت على هذه الليرة. تفضل يا أبي." تناول الأب الليرة، وتأمَّلها جيِّدًا، ثمَّ ألقاها في النار المتأججة أمامه في الموقد، وقال: "هذه ليست الليرة التي طلبتها منك. عليكَ أن تذهب غدًا إلى المدينة ثانية، وتبحث عن عملٍ جديد تكسب منه ما طلبت منك، وتحضر ليرةً أخرى غيرها." سكتَ الولد ولم يتكلَّم غير مُعترضٍ على طلب والده.
في صباح اليوم الثاني، خرج الولد قاصدًا المدينة، وما إن تجاوز الباب حتَّى لحقت به أمَّه، وأعطته ليرة ثانية، وقالت له: "لا تعد سريعًا. أمكث في المدينة يومين أو ثلاثة، ثمَّ أحضر الليرة، وقدِّمها لوالدك." قصد الابن المدينة، وأمضى فيها ثلاثة أيَّام ثمَّ عاد، وقدَّم الليرة الذهبيَّة لوالده، قائلاً: "لقد عانيتُ وتعذَّبتُ كثيرًا حتَّى حصلتُ على هذه الليرة. تفضَّل يا أبي," تناول الأب الليرة، وتأمَّلها ثمَّ ألقى بها إلى جمر الموقد، قائلاً: "ليست الليرة التي طلبتها منكَ. عليكَ أن تحضر غيرها يا بُنيَّ." صمت الولد، ولم يحر جوابًا.
في صباح اليوم الثالث، وقبل أن تستيقظ الأمُّ من نومها، تسلَّل الابنُ من البيت قاصدًا المدينة. غاب هناك شهرًا بأكمله، ثمَّ عاد يحمل ليرة ذهبيَّة، وقد أطبق عليها يده بحرص كبير، فقد تعب حقًّا في تحصيلها، وبذل من أجلها الكثير من العرق والجهد. قدَّم الليرة إلى أبيه وهو يبتسم قائلاً: "أقسم لكَ يا أبي أنَّ هذه الليرة من كدِّ يميني وعَرَقِ جبيني، وقد عانيت الكثير في تحصيلها." أمسك الأب الليرة الذهبيَّة، وهمَّ أن يُلقي بها إلى النار. هجم عليه الابنُ، وأمسكَ بيده، وحال دون إلقائها. ضحك الأب، وعانق ولده، وقال: "الآن صِرتَ رجلاً ويمكنك الاعتماد على نفسكَ يا بني. فهذه الليرة هي حقًّا ثمرة تعبكَ وجهدك، لأنَّكَ خفتَ على ضياعها بينما سَكَتَّ على ضياع الليرتين السابقتين. فَمَنْ جاءهُ المال بغير جهد هان عليه ضياعه."
قبل أن أسرد النهاية المعتادة للحكايات: "توتة توتة، خلصت الحتوُّتة"، رفعت حفيدتي رأسها من الفراش، تردِّد بيت شعرٍ: "وَمَنْ أَخَذَ البِلادِ بِدُوْنِ حَرْبٍ هَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيْمُ البِلادِ." وعلى وزنها أضافت: "وَمَنْ حَكَمَ البِلادَ بِدُوْنِ حَدْبٍ هَانَ عَلَيْهِ تَدْمِيْرُ البِلادِ." وختمت بالتعبير عن امتنانها لتهيئتي لها جوًّا أعاد لذاكرتها سنوات طفولتها. وأضافت: "يرحم الله أيَّام زمانكم. أيَّام الليرة الذهبيَّة وهي في متناول يدكم.
أمَّا اليوم فقد تحوَّل الذهب من عملة بيع وشراء إلى حلي وادِّخار لا يقدر على امتلاكه إلاَّ شريحة رفيعة الحجم والمقام في مجتمع يتصارع أفراده لكسب ما بيد الآخرين متناسين قولَ المولى الكريم في سورة التوبة: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ."
وأمَّتنا في زمننا الراهن أحوج ما تكون إلى مال المُقتدرين ليصرف على المحتاجين والمعوزين من الأهل والأقارب، وعلى من أجبرهم جبروت الحاكم الطاغية على ترك بيوتهم والنزوح من مدنهم وقراهم وأريافهم وإقامة معظمهم في خيام نُصبت لهم في صحارى بلدان الجوار، يعانون فيها من الفاقة والعوز والعلاج والدواء بقدر ممَّا يعانون من قصف المدافع وراجمات الصواريخ وطائرات النظام المتشبِّث بكرسي الحكم والضارب بالحائط كلَّ قيم الأخلاق والأعراف. ونهضت من سريرها لتهيِّئ نفسها لأداء فرض صلاة العشاء، وتُتبعه بوِرْدٍ ودعاءٍ بأن يأذن الله بفرج قريب على أهالي بلاد الشام وبأن يحنِّن قلوب الأغنياء على الفقراء والمساكين.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي