ولكل شهر من اسمه نصيب

مدريد- الخميس 27 سبتمبر 2012
محمَّد بشير علي كردي

تسأل رشا عمَّا إذا كان بجانب التقويمين الهجري والميلادي تقويم آخر متَّبع في المملكة! فقد لاحظت اقتران تاريخ يوم المملكة الوطني، الثالث والعشرين من شهر سبتمبر من كلِّ عام بالأوَّل من شهر الميزان. وتؤكِّد ذلك منال، صديقتها السعوديَّة التي تحضِّر دراساتها العليا في جامعة الملك خوان كارلوس في مدريد. الأوَّل من الميزان، يوم الاحتفال بقيام المملكة العربيَّة السعوديَّة على يد المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود عام 1932.

أجبتها بأننا منذ إدراك جيلنا مسمَّيات الشهور، لم نكن نعرف غير أسماء الشهور الهجريَّة التي نحرِّر وفقًا لها مواعيدنا وبرامجنا، ونراعيها عند أداء طقوس ديننا من صوم وحجٍّ. أمَّا ما يُعرف بالشهور "الفلكيَّة"، فهي تلك التي يراعيها المزارعون لارتباطها بتغيرات الطقس ومواسم الحرث والبذر والزرع والحصاد.

من صفات شهر "الميزان"، الاعتدال، ففيه تبرد "المويَّه بالكيزان". تعبير كانت تردِّده جدَّتي لتبشِّرنا بانتهاء فصل الصيف الحار، وبوسعنا من وقت مجيئه فصاعدًا شرب الماء مباشرة من الدورق. وكان الجد يرحمه الله، يضيف إلى وصفها شهر الميزان، بقوله: "إنَّ لكلِّ شهر من اسمه نصيب." فالميزان يعني العدل والاستقرار، وقبله شهر "السنبلة" الذي يوصف بالسمِّ والبلاء. هذا الوصف كان ينطبق على بلدنا قبل هذا اليوم الخالد من عام 1932، الأوَّل من شهر الميزان، فقد كان وقتًا تعاني البلاد والعباد فيه سمَّ قطَّاع الطرق وبلاءهم، وعدم استتباب الأمن.
قبل ذاك اليوم العظيم، كانت أمَّتنا تعيش الفرقة والشتات والتناحر والخصام. وبعده نعمت بلمِّ شمل أهلنا من مياه الخليج العربي إلى مياه البحر الأحمر بقيام وحدة بشريَّة وترابيَّة ما تزال متماسكة، وتقوى عامًا بعد عام، وجيلاً بعد جيل.

قبل ذاك اليوم الخالد، كان المُسافر داخل جزيرتنا العربيَّة في حكم المفقود إلى أن يعود سالمًا إلى بيته وأهله. وبعده، أصبح السفر متعة وراحة وباب رزق وعبادة.

وتسأل رشا أيضًا عمَّا إذا كان الربيع العربي الذي ضرب بموجاته الموجعة العديد من شعوب عالمنا العربي في السنتين الأخيرتين، سوف يحقِّق الأملَ المنشود بعودة أمَّة العرب إلى وحدتها ولمِّ شملها، أسوة بوحدة المملكة في الجزيرة العربيَّة؟

وتابعت قبل استماع الإجابة بأنَّ صديقتها منال قدَّمت لها شرحًا موجزًا عن تاريخ المملكة الحديث. وعلمت منها أنَّ ثورة الملك عبد العزيز التي سبقت "الربيع العربي" الحالي بعدَّة عقود، قضت على الفُرقة والتشتَّت اللتين كانتا مستشريتين في جزيرة العرب، وتمكَّنت من القضاء على الفساد وقطَّاع الطرق. وأنَّ ثورة الملك عبد العزيز، حقَّقت لفئات شعبه ما عجزت عن تحقيقه الدول العربيَّة الشقيقة لشعوبها. فعلى سبيل المثال، باءت الوحدة بين مصر وسورية بالفشل بعد ما يقارب السنوات الثلاث من ولادتها. ولم تستطع تحقيق حلم "النجمة الثالثة" التي أضيفت إلى علم دولة الوحدة التي كانت ترمز لضمِّ العراق الجمهوري. وكذلك الوحدة بين عرشيِّ الأردن والعراق إذ وئدت في مهدها قبل أن ترى النور. ولم يكن مشروع وحدة دول المغرب العربي بأحسن ممَّا سبقه من محاولات وحدويَّة. وعن هلوسات دكتاتور ليبيا بوحدة دول الجوار العربيَّة والإفريقيَّة، فحدَّث ولا حرج. فكلُّ الذي حقَّقه معمَّر القذَّافي منحه نفسه ألقابًا، منها: العقيد والزعيم الأممي، وقائد الثورة الليبيَّة، وأمين القوميَّة العربيَّة، وعميد الحكَّام العرب، وملك ملوك إفريقيا، وقائد الطوارق، ورئيس تجمُّع دول الساحل والصحراء، وقائد القيادة الشعبيَّة الإسلاميَّة وإمام المسلمين وزعيم حركة الانحياز!

وقبل أن تُتاح لي فرصة التعليق على ما سمعت من رشا، بادر الجار فرناندو بالحديث، وقال بأنَّه كلَّما جاءت سيرة الملك عبد العزيز وإنجازه الرائع والفريد بقيام وحدة أعادت لجزيرة العرب أمجادها، تذكَّر الإمبراطور ميجي الذي تمكَّن في عام 1868 ميلاديَّة من القضاء على الفساد والإقطاع بإزاحة حُكم توكوغاوا شوغن، وإرسائه قواعد الدولة العصريَّة القائمة على أسس متينة، قواعدها العلم والمعرفة والإخلاص في القول والعمل.

وأضاف ذاكرًا عن الحوار الوطني الذي بدأ بمبادرة كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز منذ أن كان وليًّا لعهد أخيه المغفور له الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله بأنه حوارٌ قوَّى أواصر المواطنة بين المواطنين كافَّة وأرسى قواعد مجتمع سعوديِّ قوامه الوسطيَّة والاعتدال لقبول الرأي والرأي الآخر بروح رياضيَّة من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

أضفت على مداخلة الجار فرناندو بأنَّ تباين المواطنين مذهبًا وعرقًا وثقافة وسلوكًا، لا يمنع الحوار الهادف الذي من شأنه تجنيب المجتمع السعودي وكلَّ مجتمع ضربات مؤلمة تكون سببًا في موجة غضب لتسونامي "ربيع عربيٍّ". وطالما أنَّ شعب المملكة متسلِّحٌ بالعلم والمعرفة والإخلاص في القول والعمل، سيكون المسقبل زاخرًا وزاهرًا بإذن الله وحكمة القيادة وإخلاص المواطنين.

أنهت رشا الدردشة لقرب موعد بدء حفل اليوم الوطني الذي يقيمه صاحب السمو حفل الأمير منصور بن خالد الفرحان آل سعود سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مملكة إسبانيا في أوتيل إنتركونتيننتال في مدريد ولرغبتها في أن تقدم بنفسها التهاني لسمو السفير ولتواصل الحديث مع صديقتها منال.

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي