هدية سوزوكي سان: حزمة ملوخية وبامية من مشتل طوكيو

مدريد – الاثنين 25 يونيو 2012
بقلم محمد بشير علي كردي
خاص لوكالة بان اورينت نيوز

ضجري من ساعات الفراغ وما يصاحبها من إقلاق راحة أمِّ البنين التي اعتادت إدارة شؤون مملكتها وفق هواها دون تدخُّل من الزوج الذي عوَّدها على مدى خمسة عقود من الزمن على مغادرة عش الزوجيَّة في ساعات الصباح الباكر تلبية لمتطلَّبات العمل الدبلوماسي من اجتماعات وحفلات خارج مقرِّ العمل، ولا يعود إليه إلاَّ في ساعات متأخِّرة من الليل.

وكثيرًا ما كان يغيب عنه في مهمَّات خارج المدينة، وربَّما الدولة التي يعمل فوق أراضيها لأسابيع وشهور أحيانًا، ممَّا يثير شفقة بُنَيَّتي عليَّ وعلى جدَّتها.

وتتساءل عمَّا إذا كان حالي كحال المتقاعدين الآخرين الذين يمكثون في البيت وليس لديهم من الإمكانيَّات الماليَّة أو التخصُّص المهني ما يمكِّنهم من ممارسة عمل ما ولو على نطاق ضيِّق يدرُّ عليهم دخلاً يغطِّي على الأقلِّ ميزات بطاقة التأمين الصحِّي التي سحبت منهم فور انتهاء مهامهم وهم في أمس الحاجة إليها وإلى الخدمات الصحيَّة بعد التقاعد لتقدُّمهم وزوجاتهم في العمر؟

وتتابع مستفسرة عن حال المتقاعدين في اليابان وأكثرهم من المعمِّرين. أجيب بِلِمَ اليابانيِّين دون غيرهم! تبتسم وتغمز بعينها لجدَّتها وهي تردِّد قول الشاعر: "ما الحبُّ إلاَّ للحبيب الأوَّل"، وحبُّك الأوَّل هو اليابان وشعبها الذي شدَّك بقوَّة إلى عشق الدبلوماسيَّة ومواصلة مشوار التغرُّب، فأصبحت الغربة لديك وطنًا.

هنا تراءت أمامي صورة السيِّدة ريكو سوزوكي وهي تقدِّم لي في دار سكن السفارة في طوكيو حزمة ملوخيَّة وعددًا من قرون البامية ما تزال تحمل أثار التربة وقطرات الندى هديَّة من مزرعة والدها لعلمه بما للملوخيَّة والبامية من مكانة على المائدة العربيَّة. بعد شكرها، سألتُ عن المزرعة وأين تقع؟ وهل هي مزرعة العائلة التي لم أسمع عنها سابقًا؟

أجابت بابتسامة بأنَّ الملوخيَّة والباميا من مزرعة الشعب الياباني، وموقعها ركن صغير في الحديقة العامَّة القريبة من منزل عائلتها لا تتجاوز مساحته مساحة طابق من طوابق السفارة، كان والدها وزملاء له تقاعدوا حديثًا حصلوا عليها من البلدية لشغل وقت فراغهم بما هو جميل وممتع، فجعلوها مشتلاً للزهور ونباتات الزينة لتجميل زوايا الشوارع والميادين القريبة منهم دون مقابل.

فليس أجمل ولا أحلى من صباح باكر يعيشه المرء مع الطبيعة، ويتعايش مع تربة وطنه ويعمل مع الورود والنباتات ليضفي على الحيِّ الذي يقيم فيه لمسات جمال من الطبيعة. في اعتقاد والدها وزملائه أنِّ خمسة عقود من العمل داخل مبانٍ مقفلة كافية للخروج بعدها إلى الهواء الطلق والتناغم مع الطبيعة، متأسين بشاعر الحبِّ والغرام عمر الخيَّام قوله في رباعيَّاته التي تُرجِمت إلى اليابانيَّة:

أَفِقْ خَفِيْفَ الظِّلِّ هَذَا السَّحَرْ نَادَى دَعِ النَّوْمَ وَنَاغِ الوَتَرْ
فَمَا أَطَالَ النَّوْمُ عُمْرًا وَلا قَصَّرَ فِي الأَعْمَارِ طُوْلُ السَّهَرْ.

فمع السحر وقرب طلوع الشمس، كان والدها وصحبه ينطلقون إلى مشتلهم ليتناغموا مع تربته وما أنبتت من زهور وورود، ثمَّ إلى زوايا الشوارع لتزينها وتجميلها بما جادت به الطبيعة عليهم من تلك الرقعة الصغيرة من الأرض. وقد أكسبهم ذلك صحَّة ونضارة وراحة لا قلق فيها ولا ضغوط عمل. وتراهم يعملون في همَّة ونشاط طوال أيَّام الأسبوع وعطلة نهايته التي توفِّر لهم متعة التحدُّث إلى عشَّاق رياضة المشي والهرولة والتشاور معهم في نوعيَّة الورود والنباتات التي يفضِّلون استنباتها.

وأضافت السيِّدة ريكو إلى معلوماتي أنَّ العادة في العُرف الياباني عدم انقطاع صلة غالبيَّة المتقاعدين بمقار أعمالهم التي أمضوا فيها أحلى سنيِّ أعمارهم، فقد يكلَّفون بمهام شرفيَّة مقابل إكراميَّات رمزيَّة كإرشاد القياديِّين منهم الموظَّفين الجُدد إلى طريقة العمل وإدارته. أمَّا محدودو القدرة فيكلَّفون بتولِّي أمور الشباب الخاصة والعائليَّة كما لو كانوا أولياء أمورهم. أمَّا المتقاعدون من السفراء، فأمامهم أبواب الشركات والجامعات مشرَّعة لاستقبالهم والاستفادة من خبراتهم وصداقاتهم كبار المسؤولين والاقتصاديِّين في البلدان التي عملوا فيها.

ولكم تمنَّيت يا بُنيَّتي أن أحذو حذو السيِّد سوزوكي عندما أتقاعد! أحصل على قطعة أرض لزراعتها أنا وآخرون لديهم هواية الزراعة وحبُّ التعامل مع تراب الوطن، لنضيف إلى شوارع مدننا وقرانا لمسة جمال على غرار ما يفعله السيِّد سوزوكي وصحبه، ولكن ما كلُّ ما يتمنَّى المرء يدركه.

لذلك، استعضت عن تلك الرغبة بكتابة مقالات أسبوعيَّة بدأتها بصحيفة "البلاد" لثماني سنوات، ثمَّ للنشر في الموقع الإعلامي "بان أورينت نيوز" في طوكيو، على أمل أن تساهم كتاباتي في ما يدور بين رجالات الوطن من حوارات وطنيَّة دعا لها خادم الحرمين الشريفين ليقرِّب بين أطياف المجتمع، فتلتقي آمالهم وتطلُّعاتهم كما تلتقي خيوط السُّدى واللُّحمة على النول لتنسج قطعة قماش جميلة.

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي