احتفالات الميلاد وتقارب الشعوب والأديان

جدة- الأحد 29 ديسمبر 2013
بقلم محمد بشير علي كردي

تتمتَّع جدِّةُ، عروس البحر الأحمر بطقس بديع ومنعش هذه الأيَّام، يُغري المغتربين المقيمين في إسبانيا أمثالي بقضاء عطلة عيد ميلاد السيِّد المسيح وحلول العام الميلادي الجديد في الوطن مع الأبناء والأحفاد والإخوة والأخوات والصحب والخلاَّن الموزَّعين في العديد من مدن المملكة.
قصدتها من مدريد مع أمِّ البنين، وكانت المحطَّة الأولى التي توقَّفنا فيها نظرًا إلى تمتُّع الأحفاد بعطلة أسبوعيَّ نهاية العام الثالث عشر بعد الألفين، وُفق التقويم الميلادي، وهربًا من البرد الشديد الذي يلفُّ وطن الغُربة الذي اخترناه طواعية بعد غُربة عملٍ في مشارق الأرض ومغاربها، دامت أكثر من أربعين عامًا.
تسأل حفيدتي بشوق لمعرفة شيءٍ عن طقوس الاحتفال بليلة "الكريسماس" في إسبانيا، وعن ليلة رأس السنة الجديدة، وعن الاثني عشر حبَّة عنب التي يتناولها الإسبان مع آخر اثنتي عشر ثانية من العام المغادر! وعن "بابا نويل" والهدايا التي يتركها للأطفال وللكبار أيضًا تحت شجرة عيد الميلاد التي تزيِّن كلِّ بيت وفندق ومطعم في ديار الغربة! وعن السرِّ في أنَّ معظم الألعاب والهدايا التي تُعرض في واجهات المتاجر في دول الغرب المُتقدِّمة في شتَّى المجالات، هي من صُنع يابانيِّين أو صينيِّين يدينون بالبوذيَّة وبديانات أُخرى غير سماويَّة!
تضيف حفيدتي مُتساءلة عن جواز تبادل التهاني مع الإخوة المسيحيِّين في هذه المناسبات! ويزيد في إرباكها عدد الفتاوى المُتضاربةِ التي تصدرُ مِن ضيوف شاشات التلفزة بين محرِّم ومُحلِّل! وقبل أن تستمع الإجابة، سألت بحسرة مُستفسرةً عن سبب تجاهل مجتمعاتنا العربيَّة الحديثَ النبويَّ الشريف القائل: "وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ وَهُوْ يَعْلَمُ." وجيراننا الذين هربوا من ديارهم بسبب تداعيات الفوضى الخلاَّقة التي تسبَّب بها تسونامي "الربيع العربي" يعانون في مخيَّماتهم العشوائيَّة الجوعَ والبردَ والمرضَ!
قدَّرت كثيرًا انشغال حفيدتي بحالة إخوة لنا في العقيدة والدم والجوار، مضى على تشرُّدهم ما يقارب ثلاث سنواتٍ، وتزداد معاناتهم يومًا بعد يوم، وما يزال القتل والتدمير على أشُدِّه، يمارسه المتشبِّث بالسلطة والسلطان، وتزيده ضراوةً تدخُّلاتُ العديد من الدول والطوائف لتحقيق مكاسبَ لها، ولا بصيصَ أملٍ في الأفق برحيل النظام أو حلول سلمٍ قادمٍ قريبًا. وحالة كهذه التي يعيشها السوريُّون في مخيَّمات في دول الجوار العربي، لا تعفي مَن بأيديهم الأمر في الدول العربيَّة والإسلاميَّة مِن المسؤوليَّة الدينيَّة والإنسانيَّة والأخلاقيَّة عن معاناة اللاجئين السوريِّين. والواجب يفرضُ إعداد إقاماتٍ لهم تتوفَّر فيها سُبل العيش الكريم أنَّى تواجدوا. وعلى منظَّمات الإغاثة الإسلاميَّة والعالميَّة، وكذلك أثرياء العرب الذين يزدادون عددًا وثروة مع الازدياد العكسي لِمَن هم على خطِّ الفقر ودونِه، تقديمُ العون المادي استجابةً للتوجيه الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِيِْنَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوْمٌ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾.
أمَّا موضوع تبادل التهاني مع الأصدقاء المسيحيِّين، فهو واجبٌ إنسانيٌّ استجابةً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. والتعارف يقتضي اغتنامَ المناسباتِ لتوطيد عُرى التعارف والمودَّة وتوثيقها مع الآخرين، مهما تعدَّدت المعتقدات والطوائف. فالخلق كلُّهم عيالُ الله. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسِ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
وبعودةٍ إلى البداية، واحتفالات الإسبان بليلة عيد ميلاد السيِّد المسيح – "الكريسماس"! فهي مناسبةٌ عائليَّةٌ، وأمسيةٌ تجمع أفراد الأسرة، بعد تفرُّق وغيابٍ قد يطولان لعامٍ كاملٍ، في منزل كبير العائلة حول مائدة طعام تضمُّ العديد من أطباق الأسماك وفواكه البحر واللحوم والخضروات وتشكيلة من الحلويات والفواكه والعصير على اختلاف أشكاله وألوانه. يأكلون ويشربون ويتسامرون مُضيفين فرحًا وسعادةً على وجوه المتقدِّمين في العمر والصغار مِن ذويهم.
أمَّا الاحتفال بنهاية عام، فهو تعبير عن السعادة والفرح لاستقبال عامٍ جديد. وقبيل دخوله باثنتي عشر ثانية، يتناول الإسبان عددًا مساويًا من حبَّات العنب تفاؤلاً بمقدمِ العام الجديد. وفي الوقت نفسه، لتوفير السيولة النقديَّة عند المزارعين. ففي الأسبوع الأخير من هذا الشهر، يُباع العنب بضعف سعره المعتاد. وبحسبة بسيطة، لو ابتاعت كلُّ أسرة إسبانيَّة كيلو غرامًا واحدًا من العنب بواقع ثلاثة يوروات الكيلو لهذه المناسبة، نجد أنَّ ما يقارب عشرة ملايين كيلو غرام من العنب، تُشترى في وقتٍ قصيرٍ، أي ثلاثين مليون يورو - ما يعادل مائة وخمسين مليون ريال سعودي – كسبها المزارعون. فالمناسبات الدينيَّة تشجِّع دورة رأس المال الذي تستغلُّه الدول الصناعيَّة لإنتاج العديد من لعب الأطفال والهدايا للصغار وللكبار والملبوسات.
أمَّا شخصيَّة "بابا نويل" التي اقترنت في الغرب بعيد ميلاد السيِّد المسيح، فهي وسيلة لإغراء الأطفال بالحصول على الهدايا التي بدورها تعمل على تشجيع دورة رأس المال أيضًا. فعندما يسجِّل الأطفال ما يرغبون به من هدايا في رسالة يكتبونها "لبابا نويل"، يلتقطها ربُّ الأسرة بغفلة عن أطفاله، فيعرف نوع الهدايا المطلوبة وشكلها، فيشتريها ويخفيها تحت شجرة عيد الميلاد إلى أن يحلَّ اليومُ السادس من يناير، يوم توزيع الهدايا المتوافق مع رواية الملوك الثلاثة الذين كانوا أوَّل مَن عرفوا بحمل السيِّدة مريم العذراء وولادتها السيِّد المسيح.
تلك أيضًا مناسبة أخرى لتوفير السيولة النقديَّة للمزارعين الذين يقعطعون أغصانًا من أشجار الأرز، ويبيعونها بأسعار مرتفعة.
أمَّا الإجابة عن تبادل الهدايا مع الأصدقاء المسيحيِّين في مناسباتهم الدينيَّة، فذاك واجب إنساني يحضُّ عليه إيماننا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قبل نهاية جلسة الحوار مع حفيدتي، قدَّمت لها تشكيلة من حلويات الترون الإسبانيَّة التي تتصدَّر موائد الإسبان في هذا الأسبوع من كلِّ عام، متمنِّيًا لها عامًا جديدًا يقترن حلوله بالمزيد من السعادة والهناء وتحقيق الآمال في مواصلة التفوُّق في مسيرتها التعليميَّة.

محمَّد بشير علي كردي سفير سابق للمملكة العربية السعودية

يوليو. 21: نيرون الثاني


رأي