بذور الفتنة في وعد بلفور و سايكس بيكو

مدريد – الجمعة 30 نوفمبر 2012
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي

صديقي الياباني، ككلِّ الشرفاء في العالم قلق على ما يجري في سورية من قتل ودمار وتشريد وتهجير لمواطنين يطالبون بحقِّهم المشروع في تبادل السلطة في بلدهم. وغاضب على ما يراه من صراع سياسي واجتماعي قائم على الانتماء الطائفي والحزبي في العديد من بلدان العالم العربي. صراعٌ يتسبَّب في حمَّامات من الدم تأتي على حياة عشرات الآلاف من الأبرياء، وما يرافقها من هدم وتشريد وتهجير لمئات ألوف السكَّان. ديارهم تُنسف، ومدنهم وقراهم يقصفها طيران السلطة ودبَّاباتها ومدافعها في ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ، ليبقى الحاكم متربِّعًا على سدِّة الرئاسة، مالكًا لمقدَّرات البلاد، وليس حاكمًا لها يرعى مصالحها كما يقتضي الدين والأخلاق.

يثير استغرابه الصراع الجاري بين مواطني بلاد شهدت ولادة الديانات السماويَّة التي أرسلها الله الخالق لهداية البشر. فقد شاء جلَّت قدرته أن يعمر خلقُه من البشر على اختلاف أشكالهم وألسنتهم ومعتقداتهم كوكبَ الأرض ليتعارفوا ويتعاونوا ويتحابُّوا.

يُعزي الصديق الياباني هذا الصراع إلى بذور الفتنة التي زُرعت منذ أن أقرَّت الأمم المتَّحدة قيام دولة إسرائيل فوق جزء من أرض فلسطين استنادًا لما عُرف باتِّفاقيَّة "سايكس بيكو" التي توَّجت مفاوضات سرِّيَّة أجريت خلال المدَّة من نوفمبر 1915 ومايو 1916 بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، كانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجيَّة فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصريَّة آنذاك، لتحديد مناطق النفوذ لتلك الدول بعد تهاوي الإمبراطوريَّة العثمانيَّة عقب الحرب العالميَّة الأولى. أُتبِعَت تلك الاتِّفاقيَّة بما عُرف بـ "وعد بلفور" الذي صدر برسالة من آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانيَّة لإنشاء وطن قومي لليهود في أجزاءٍ من فلسطين مع أنَّ تعداد اليهود فيها آنذاك لم يزد على الخمسة من المائة من مجموع عدد السكَّان. "وعدُ مَن لا يَملك لِمَن لا يستحقَّ."

يضيف الصديق الياباني القول بأنَّه كاد يفقد الأمل من إصلاح الحال، وعودة الرشد إلى العباد الذين أخذتهم العزَّة بالإثم، وتاجروا بدماء الشعوب باسم خالقهم وأنبيائهم والمهيمنين على طقوس دياناتهم إلى أن شاهد على الفضائيَّات مراسم توقيع اتِّفاقيَّة إنشاء مركز الملك عبد الله الدولي للحوار بين أتباع الأديان في فيينَّا يوم 26 أكتوبر 2012، واستمع بتمعُّن إلى كلمة صاحب السموِّ الملكي الأمير سعود الفيصل، وزير خارجيَّة المملكة العربيَّة السعوديَّة التي ألقاها في حفل تدشين المركز بحضور 800 شخصيَّة دينيَّة وفكريَّة من جميع دول العالم بمشاركة الأمين العام للأمم المتَّحدة وممثِّلين عن 21 منظَّمة دوليَّة.

قرأ عليَّ الصديق عبر شاشة السكايبي أبرز ما راق له من خطاب سموُّه وما يأمل من تحقيقه:
- الهدف من هذا المركز، تقريب الناس وحلُّ الأزمات بالطرق السلميَّة.
- نداء خادم الحرمين الشريفين الذي توجَّه به لكلِّ دول العالم وشعوبها بمختلف دياناتها وثقافاتها ومذاهبها، يعكس مبادرة إنسانيَّة جادَّة للسلام والتعايش والاحترام والمحبَّة والتآلف. ومركز "حوار الأديان" ثمرة جهد طويل ومتَّصل، بدأ في مكَّة مرورًا بمدريد ونيويورك وانتهاءً بجنيف وفيينَّا.
- الأمل في أن يجسِّد المركز انطلاقته التاريخيَّة نحو تشجيع حوار إنساني هادف ومسؤول يستند إلى تعزيز القواسم المشتركة بين أتباع الديانات، وأن يكون باعثًا للحوارات المستمرَّة التي تتناول قضايا تشغل المجتمعات الإنسانيَّة، ومنها ما كان سببًا في حروب مكلفة وصراعات داميَّة وجرائم بشعة.
- غياب الحوار أدَّى إلى التطرُّف وموجات العنف والإرهاب بكلِّ أشكاله وأصنافه. ويضاف إلى ذلك ضعف الوازع الديني وتدنِّي القيم الروحية، أدَّت إلى انحسار أخلاقيٍّ وتدهور للفضائل مع تفكُّك عرى الأسرة ودورها في المجتمع الإنساني. والتركيز على الآثار السلبيَّة التي ضربت المجتمعات نتيجة لانحدار أخلاقيٍّ وانتشار الظلم والفساد وشيوع الجرائم والأزمات الصحيَّة والمشاكل البيئيَّة والأزمات الاقتصاديَّة على نحو غير مسبوق وطريق غير معهود.
- يُؤمَّل أن يسهم المركز في بناء منظومة أخلاقيَّة وإنسانيَّة مشتركة تحمي الموروثات والقيم والمصالح المشتركة في عالمنا بمواجهة فيض عارم من تراكم المشكلات والأوضاع الصعبة. وأن يكون ذا أثر فعَّال لتقريب الناس إلى بعضهم، وفي حلِّ الأزمات بالطرق السلمَّية. وهذا لن يأتَّى إلاَّ بالمعرفة الحقَّة، ولا سيَّما معرفة معتقداتهم.

أنهى صديقي الياباني المحادثة بتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لِما يبذله من جهد وعمل لرفع كلمة الله والتعريف بما يجهله أتباع الديانات والعقائد الأخرى عن الإسلام. وبأنَّ جلالته يستحق بجدارة جائزة نوبل للسلام، وإن كان تشرُّفه بخدمة الحرمين الشريفين يعطيه من الجاه أكثر بكثير من الجائزة.

وفي الختام، تمنَّى أن يمنَّ الله على خادم الحرمين بالتعافي العاجل بعد نجاح العملية الجراحية ليعود إلى متابعة مشروعه الاصلاحي والإنساني العالمي.

محمَّد بشير بن علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

يوليو. 21: نيرون الثاني


رأي