ما أشبه الليلة بالبارحة

الأميرة الشامية تستعصي على تيمورلنك

مدريد- الأحد 25 مارس 2012
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي
خاص لوكالة بان اورينت نيوز

في سالف الزمان، لم يكن في بيوتنا ماء جارٍ ولا كهرباء ولا راديو ولا تلفاز. كانت متعتنا قبل النوم حكايات جدَّتنا يرحمها الله. تقصُّ علينا على ضوء الفانوس قصصًا تنقلنا بالخيال كما لو كانت واقعًا، فنندمج مع القصَّة، ونبذل الجهد عبثًا لدفع النعاس عن أعيننا، لكن كان سلطان النوم أقوى، لنصحو في اليوم التالي محاولين تذكُّر آخر فصل من فصول القصَّة لنطلب سماع بقيَّتها في المساء.

أذكر في أسبوع قصف قوَّات الاحتلال الفرنسيَّة مبنى البرلمان في دمشق، كان حديث الجيران في مدينتنا المنوَّرة عن توقَّف الحركة تمامًا في سورية استجابة للمقاومة التي أعلنت الإضراب العام. وكنَّا بعد تلك الليلة الداميَّة، ومع كلِّ ليلة، نستعجل الجدَّة لتقصَّ علينا ممَّا في ذاكرتها عن سابق الأيَّام والدهور من حكايات تساعد على النوم وتبعد الخوف من تكرار القصف المدفعي لدمشق الذي وقع يوم 29/5/1945 حينما اقتحمت القوَّات الفرنسيَّة مبنى البرلمان واشتبكت مع حرسه في معركة دامية استخدمت فيها قوَّات الاحتلال المعدَّات الثقيلة مخلِّفة العديد من القتلى والجرحى والدمار، فبلاد الشام هي الرئة التي تتنفَّس منها جزيرتنا العربيَّة، وهي النافذة التي نطلُّ منها على العالم، وعن طريقها نتزوَّد بما نحتاجه من زاد وكساء.

في تلك الليلة، حدَّثتنا الجدَّة عن الأميرة الشاميَّة ذات الحسب والنسب والصون والجمال التي تلهَّف الجميع من الأقربين والأبعدين إلى القرب منها لجمالها، فتمنَّعت عنهم، فهي سوريَّة عربيَّة، والعربيَّة تعتزُّ بصون عفافها والحفاظ على كرامتها. وأنَّ العديد من أمراء الشرِّ جنَّدوا القوَّات وساروا بالجنود قاصدين مزرعة الأميرة لأخذها عنوة من بيت أهلها، ومنهم من عزم على احتلال المزرعة التي تميِّزت من غيرها من المزارع بوفرة المياه والخضرة والوجوه المشرقة، غير أنَّ إخوتها وأخواتها وجيرانها وجاراتها كانوا يتصدَّون للمعتدين بكلِّ ما أوتوا من قوَّة كلَّما تعرَّضت فيها مزرعة الأميرة للغزو، وفي كلِّ مواجهة مع الغزاة، كان يسقط منهم ومن المعتدين الكثير من القتلى والجرحى والأسرى، إلاَّ أنَّ عفاف الأميرة لم يمس بسوء.

لمَّا تناهى خبرها إلى تيمورلنك الأعرج، طاغية عصره وزمانه، رغب بها، وأتى من أواسط بلدان المشرق على رأس جيوش جرَّارة. وكان قد سمع عن مقاومتها للغزاة، فمنَّى نفسه بها بعد أن قَدِمت إليه غانية من أهالي الجبال العالية تدعى درَّة الصدف وبرفقتها أربعون بنتًا بكرًا من بنات قومها نائحة باكية تطلب الانتقام من أهالي المزارع وخاصة مزرعة الأميرة. وقالت بأنَّ أهلها في الجبال العالية رهن إشارته لقتال أهل البلاد وتمكينه من الأميرة التي رغب بها.

لم يعرف تيمورلنك آنذاك أنَّ سكَّان الجبال العالية قد خرجوا عن الملَّة والجماعة منذ أن قَدِم إليهم رجل يُدعى محمَّد بن الحسن المهدي من وراء نهر دجلة ليضلَّ أهل المزارع وما حولها عن ربِّهم ونبيهم ومعتقداتهم، زاعمًا مرَّة أنَّه الإله، ومرَّة أنَّه صاحب البلاد، وأنَّ مقاتلي الجبال العالية، شنُّوا بتوجيه منه وبقيادته غارات على المدن والأمصار المجاورة لجبالهم، فقُتل العديد من العباد، وهُدِم العديد من المساجد والصوامع، وأشاعوا الفوضى والاضطراب.

يصل تيمورلنك بجيشه الجرَّار ومعه سكَّان الجبال العالية الذين كانوا يمنُّون أنفسهم في السيطرة على كلِّ مزارع البلد والأمصار وسكَّانها. وكان قتال شرس بين أهالي المزارع تقوده الأميرة الشاميَّة من مزرعتها وأمراء المزارع المجاورة، وبين جيوش تيمورلنك ومقاتلي الجبال العالية دام لسنوات عديدة وانتهى بعودة تيمورلنك من حيث أتى، ولجوء مقاتلي الجبال العالية إلى جحورهم في المرتفعات. وتوته توته خلصت الحدُّوته.
أنهت الجدَّة الحكاية، وأطفأت شعلة الفانوس وهي تتلو المعوَّذتين وآية الكرسي.

اليوم، وقد اشتعل الرأس شيبا، أستعيد حكايات جدتي، وأستعيد ذكرى سنوات عديدة أمضيتها في ربوع اليابان وما كسبته خلالها من تعرف على تاريخ اليابان وحرص شعبها على عزته وكرامته منذ أن اعتدى على جزرها الأسطول الأمريكي ليجبرها على فتح أسواقها للتجارة العالمية، وما يعنيه فتح الأسواق من مكاسب للمعتدين على حساب قيم وعادات المجتمع، مرورا إلى عصر الإمبراطور ميجي الذي أتاح لأبناء شعبه أخذ التقنية من الغرب دون المساس بالعادات والتقاليد، ووصولا إلى وقفة الإمبراطور أكيتو هيرو وهو يقود شعبه لإعادة البناء وفق خطط تنافسية مع من كسب المعركة العسكرية باستخدامه سلاح الدمار الشامل، ووصولا إلى يابان اليوم وهي تتصدر اقتصاد العالم، وأقول لنفسي أنه لا يصح إلا الصحيح، والصحيح أن الشعب إذا ما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير سابق للمملكة العربية السعودية في اليابان

بان اورينت نيوز


يوليو. 21: نيرون الثاني


رأي