زيارات ياسوكوني ليست خروجاً عن المألوف

بقلم محمَّد بشير علي كردي

مدريد- الأربعاء 28 أغسطس 2013

كتاباتي عن اليابان، وإشادتي باليابانيِّين وقدرتهم على مواجهة الصعاب والتغلُّب عليها، أغرت رشا لأخذ إجازة تقضيها في اليابان، ووضعت في برنامج رحلتها زيارة مدينتي هيروشيما وناغازاكي اللتين قصفهما سلاح الجوِّ الأمريكي بالقنابل الذريَّة يومي 6 و 9 أغسطس عام 1945 تباعًا، وتسبَّبت بموت وتشويه مئات الآلاف من اليابانيِّين المدنيِّين.

تشاركني رشا الرأي في أن عودة الحياة للمدينتين المنكوبتين كانت الشعلة التي أضاءت الطريق لإعادة بناء يابان اليوم التي تشارك الدول الكبرى إن لم تتفوق عليها في الرقيِّ والجمال.

قالت لي، وأنا أزوِّدها بقائمة الأصدقاء في اليابان، ربَّ ضارَّة نافعة. فلولا النهاية المأسويَّة للحرب العالميَّة الثانية لما كان لليابان القدرة على إزالة آثار العدوان وإعادة البناء بهذه السرعة وذلك الاتقان والوصول إلى مكانة مرموقة في عالم الاقتصاد والتقنية، وكأنَّهم يطبِّقون مفهوم الحديث النبوي: إنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَملَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ.

وتساءلتْ عمَّا إذا كان قتْلاهُم من عسكريِّين ومدنيِّين في معارك الحرب العالميَّة الثانية يعتبرون شهداء؟ أجبتها بحديث نبويٍّ شريف، اتفَّق على صحَّته عددٌ من علماء الحديث: "مَنْ قُتِلَ دُوْنَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيْدٌ. وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ. وَمَنْ قُتِلَ دُوْنَ دِيْنِهِ فَهُوْ شَهِيْدٌ. وَمَنْ قُتْلِ دُوْنَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ". أليس مَن قادوا المعارك من سياسيِّين وعسكريِّين في سبيل عزَّة بلدهم وكرامتها في عِداد الشهداء! ويستحقوَّن التكريم ووضع أسمائهم في نصب الشهداء، وزيارة أضرحتهم تخليدًا لمواقفهم البطوليَّة؟

وليس من العدل في عقيدتي الإسلامية أن نحكم كبشر على من لاقوا وجه ربهم ، فالذي يملك الحكم على البشر هو الله تعالى خالقهم ، وعلينا أن نذكر محاسن موتانا وما قدمه كل منهم من عمل نراه عملا صالحا وقد يراه الآخرون غير ذلك.لقد نهانا ربنا الله تعالى عن تجريح الآخرين وخاصة الموتى، وأوصانا بأن نزور قبورهم ونترحم عليهم وندعو لهم ونذكرهم بالخير، فهم السابقون الى الدار الآخرة ونحن اللاحقون .

وتساءلتْ رشا عن نيَّتها زيارة معبد "ياساكوني" في طوكيو الذي دُفن فيه قادة اليابان الذين نُفِّذت فيهم أحكام الإعدام الصادرة عن محاكم قوَّات الاحتلال بعد استسلام اليابان!

ولمَ أرَ في زيارتِها ما يمكن اعتبارَه خروجًا عن المألوف وأدب الزيارة واحترام عادات الشعوب وتقاليدها بما لا يتنافى مع الأخلاق عامَّةً.

وذكرتُ لها زيارة رئيس وزراء اليابان وكبار الشخصيَّات اليابانيَّة السنويَّة إلى ياسوكوني مع أنَّها تُثير غضب مَن كانوا يسمَّون بـ "الحلفاء" واستنكارهم، وكذلك دول الجوار الذين غزت أراضيهم القوَّات اليابانيَّة.

وليس غريبًا ولا مُستهجنًا أن يعمل كلُّ قائد سياسي أو عسكري على رفعة بلده ومكانتها وحمايتها من أي اعتداء خارجي. واليابان وما جاورها من بلدان، كانت على مرِّ التاريخ هدفًا لغارات دول الغرب من أوربيِّين وأمريكيِّين تحت راية التبشير، مع أنَّها كانت للهيمنة على موارد الشعوب وثرواتها. لذا، ارتأت اليابان لتثبت وجودها السياسي والعسكري في دول الجوار أن تتصدَّى لغارات الغربيِّين الذين يهدِّدون معتقدات شعبها، وينهبون ثرواتها.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

الصورة: رئس الوزراء الياباني الأسبق جونيتشيرو كويزومي خلال زيارة لمعبد ياسوكوني

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي