جمال اليابان – طبيعة أرض وسلوك شعبٍ

مدريد- الإثنين 6 فبراير 2012
بقلم محمد بشير علي كردي – خاص لوكالة بان اورينت نيوز

"ما سرُّ انحيازك لليابان؟" سألت بُنَيَّتي. وما يميِّزها من سواها من البلدان؟ وما يميِّز اليابانيِّين من غيرهم من الأمم والشعوب؟ سألت وهي تستمع بشوقٍ لحديثي عن جمال تضاريس اليابان الطبيعيَّة، وعن ولاء اليابانيِّين لبلدهم وحرصهم على تقدُّمها في مختلف المجالات. وقبل أن تتيح لي الإجابة، أضافت بأنَّنا في إسبانيا وما يجاورها من بلدان، نتمتَّع أيضًا بالماء والخضرة والوجه الحسن، وجميع الأمم والشعوب تسعى لمستقبل أفضل!

وكأنَّني كنت أتوقَّع السؤال، قلت بأنَّ الله خصَّ بلدان كوكبنا بجمال مميَّز. فلصحراء جزيرتنا العربيَّة من الجمال ما ورد على لسان قدامى الشعراء العرب في معلَّقاتهم الشهيرة. ولوادي النيل ما خلَّدته الآثار الفرعونيَّة وتراث الطرب الذي تركه لنا مطرب الملوك والأمراء محمَّد عبد الوهاب من نظم أمير الشعراء أحمد شوقي، وسيِّدة الغناء العربي أم كلثوم من نظم العديد من شعراء العالم العربي. ولبلاد الشام ما جعل القدامى يصفونها بجنَّة الله على الأرض، وهكذا البلدان والأمصار كافَّة. لكن لجمال الطبيعة في اليابان عبير مميَّز ينطبق عليه المثل: "الجنَّة بدون ناس لا تداس." واليابانيُّون متميِّزون بسلوكهم وقيمهم التي يحرصون على الحفاظ عليها، فتُضفي على المكان قيمة جماليَّة رائعة.

أعاد السؤال إلى ذاكرتي، ونحن نستقبل فصل الشتاء الآن، زيارتي لمدينة سابورو في جزيرة "هوكايدو" شمال اليابان، في نهاية الأسبوع الثاني من شهر فبراير للتمتُّع بمهرجان الثلج ورؤية ما أبدعه النحَّاتون من مجسَّمات وهياكل مبانٍ من الجليد تجذب العديد من عشَّاق الفنِّ والطبيعة من مختلف شعوب العالم، ليحيوا في سابورو أيَّامًا يشاركون أهالها في هذه المناسبة طوال الأربعة والعشرين ساعة من أيَّام المهرجان، مع أنَّ درجات الحرارة تنخفض كثيرًا دون الصفر.

أمَّا بحلول فصل الربيع، فيحتفلون بتفتُّح زهور أشجار الكرز "الساكورا" بإقامة جلسات الأنس ولقاء الأحبَّة من الأهل والصحب تحت أشجاره المكسوَّة ببراعم الكرز التي غُرست بكثافة في معظم الحدائق العامَّة. تراهم منطلقين على سجيَّاتهم، وقد تحرَّر الرجال من اللباس الرسمي وربطات العنق، والنساء يرتدين اللباس التقليدي، "الكومينو" المطرَّز برسومات فنيَّة على درجة راقية من الإبداع تماثل الطبيعة. وكأنِّي بهم يتمثَّلون قول الشاعر الفيلسوف عمر الخيَّام برباعيَّاته التي ترجمها إلى العربيَّة الشاعر أحمد رامي، وخلَّدت مقاطع منها سيَّدة الطرب العربي أمُّ كلثوم بصوتها الرخيم الآسر:

سَمِعْتُ صَوْتًا هَاتِفًا فِي السَّحَرْ نَادَى مِنَ الغَيْبِ غُفَاةَ البَشَـرْ
هُبُّـوا امْلاؤا كَأْسَ المُنَى قَبْلَ أَنْ تَمْلأ كَأْسَ العُمْرِ كَفُّ القَدَرْ
لا تَشْغَلِ البَالَ بِمَاضِي الزَّمَانْ وَلا بِآتِ العَيْشَ قَبْـلَ الأَوَانْ
وَاغْنَـمْ مِنَ الحَاضِرِ لَذَّاتِـهِ فَلَيْسَ فِيْ طَبْعِ الليَّالِيْ الأَمَانْ

لكن لأوقات الأنس حدود، وللعمل قدسيَّته. وللحفاظ على تفوُّق اليابان في مجالات العلوم والتقنية والصناعة واجب التفاني والإخلاص في العمل، وهو ما نفتقده في بلداننا العربيَّة. وحتَّى هنا في البلدان المطلَّة على البحر الأبيض المتوسِّط. وفي تقديري أنَّ من بين مسببِّات ما يعانيه عالمنا العربي وحتَّى العديد من البلدان الغربيَّة من أزمات اجتماعيَّة واقتصاديَّة، الأخذ بالقول السائد: "إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب. وعمره مفلس ما شنقوه!"

في هذا الصدد، وفي مثل هذه الأيَّام مع نهاية كلِّ عام، يزداد الصرف على الحفلات والهدايا. ومع بداية الأزمة الماليَّة، وقبل أن تكشف الستار عنها إدارة الرئيس جورج بوش، اشتكت المخازن التجاريةَّ الكبرى في اليابان من تردُّد ربَّات البيوت من الصرف المعتاد في مناسبات الأعياد تقديرًا منهنَّ لتردِّي الأوضاع الاقتصاديَّة، ورغبة من الادِّخار لتوفير المزيد من المال في البنوك لتمويل المشاريع، مع أنَّ البنوك اليابانيَّة تعطي فوائد ضئيلة على ادِّخار المودعين لا تتعدَّى الواحد من المائة.

وأذكر أنَّ الحكومة آنذاك أصدرت من خزينتها شيكَّات بعدد رُبع عدد السكان وزِّعت عليهم بالقُرعة، لتتيح لحاملها إمكانيَّة تسوُّق الهدايا من المخازن التجاريَّة لتصريف البضائع المعدَّة لموسم نهاية العام. وهكذا تتمكَّن المخازن الكبرى ومموِّلوها من المصانع من الحصول على السيولة النقديَّة المطلوبة. ومع ذلك، امتنع العديد ممَّن تلقُّوا هذه الشيكَّات من صرفها لعدم قناعتهم بمبرِّراتها. في المقابل، نجد شعوبنا تصرف أكثر من دخلها في مناسبات الأعياد، وقد سهَّلت عليهم ذلك بطاقات الائتمان، سبب معظم الكوارث الماليَّة على نطاق الأسرة والمجتمع.

تابعت بُنيَّتي بابتسامة ماكرة، الآن عرفت سرِّ إعجابك باليابان جمالَ طبيعةٍ وسلوكَ شعب، ولكن لأنَّ لكلِّ قاعدة شذودًا، هل اشتريت لي هديَّة بمناسبة العام الجديد!

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير سابق للمملكة العربية السعودية في اليابان


بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


فنون وثقافة