قالوا للفاتح

دموع إيزيس في مملكة أوزوريس: الشاعر هشام الجخ في بوح خاص للفاتح ميرغني

" فخور بأني كنت ترس في آلة جبارة"
" كتبت بعض أشعاري على علب السجاير وعلب الكبريت"
"ايزيس" اكتر قصيدة احترمها لهشام الجخ"
" الحب عندنا كان زيادة بعض الشيء وكان مثالياً بعض الشيء وكان مسرفاً ومفرطاً ومتدفقاً. ولذلك كانت صدماته تقارب هذا التدفق. "
" احلى ما في التوهان اول ما باجي اوصل واحلى ما في الاحزان انك تضميني"
" الذي يقول بأن العرب لا يعرفون السينما والمسرح عليه قراءة اشعارهم".
( هشام الجخ)

وددتُ كتابة مقدمة طويلة عن "هشام الجخ" وعن عنفوانه في الشعر ورؤاه التي جعلت منه إسماً مرتبطاً بالثورة المصرية، اسماً تتهافت للحوار معه وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة والمرئية. ولكني اكتفيت باقتباس من الشاعر الإنجليزي "وليام ووردزوورث" في وصفه لمشاعر الشباب الذين ساهموا في تفجير الثورة الفرنسية وذلك حين قال:
"أن تكون على قيد الحياة في فجر هذه الأحداث، فتلك نعمة
أما أن تكون شاباً فقد أدركت الفردوس بعينه".!

"هشام الجخ" لم يكن شاهداً على ميلاد الثورة فحسب، بل كانت قصائده حاضرة تسهم مع أصوات أخرى في بلورة ملامح التكوين. ويتصل بذلك انني كونتُ انطباعاً عن الشاعر "هشام الجخ" منذ ان لامَسَتْ أحد قصائده العصب الطري في الوجدان وصادفتْ هوى في القلب، وهو أن هشام شخصية بسيطة ومريحة وشفافة. شخصية مقبلة على الحياة وتعيش الشعر والواقع بكل أحاسيسها وجوارحها ووجدانها. وحتى بعد أن التقيته في أكثر من مناسبة بعد حواره، لم يتغير ذلك الانطباع.

لقد اخترتُ عنوان هذا الحوار، الذي جرى في 12 أبريل 2014 في القاهرة، من الأسطورة الفرعونية الخالدة. أسطورة "إيزيس" التي جمعت اشلاء زوجها "أوزوريس" فحبلت بعد ذلك ولدًا هو حورس، وأصبح "أوزوريس" ملكًا في مملكة الموتى. وقد استلهم الشاعر "هشام الجخ" هذه الاسطورة بصورة غاية في الشاعرية والإبداع في اروع قصائده: "إيزيس".

الفاتح ميرغني: هناك القليل جداً من الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بالثورات الكبرى، مثل " فولتير" الذي ارتبط اسمه بالثورة الفرنسية كثورة حقوق لكل البشر، و"محجوب شريف" الشاعر السوداني العظيم، الذي ارتبطت أشعاره المغناة بثورة عظيمة في تاريخ السودان ( أبريل 1985م)، و"هشام الجخ" الذي ارتبط اسمه كما ارتبطت قصائده بثورة 25 يناير في مصر. ما هو شعورك وأنت تجد نفسك في هذا الحدث الفوّار؟

هشام الجخ: دعني اقول لك بكل صدق، الناس ووسائل الاعلام يقولون إن هشام الجخ شاعر الثورة، لكن الحقيقة أن هشام الجخ ليس شاعر الثورة. شاعر الثورة كان هو عبدالرحمن يوسف، شاعر الثورة كان هو الناس التي كانت في ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011م. انا لم أكن في ميدان التحرير يوم 25 يناير، بل كنت في ذلك الوقت مع الفنانة " لطيفة" نكتب عملاً عن الثورة التونسية. لكن الثورة سلوك خرج من الناس بشكل عفوي ولم يكن مقصوداً، ولم يكن هناك أحد يريد أن يثور ولم تكن هناك خطة للثورة. وقد كانت تأتيني رسائل من أصدقائي في الهاتف وعلى صفحتي في الفيس بوك تقول: "إننا نريد أن نعكّر صفو الفرح على وزارة الداخلية في عيد الشرطة الذي يصادف يوم 25 يناير". ونحن نحترم عيد الشرطة في مصر ونحترم ما أنجزته الداخلية المصرية والشرطة المصرية في يوم 25 يناير. ولكن يوم 25 يناير 1973م، وليس يوم 25 يناير 2011م.

الفاتح ميرغني: متى شارك هشام في الإحتجاجات في ميدان التحرير؟

هشام الجخ: كما ذكرت لم يكن هناك تصور لثورة. كنا نازلين بسبب أحداث "خالد سعيد" ولكي نحتج على القهر وتصرفات الشرطة في الشارع. ولم يكن الامر يرقى إلى ثورة ومن ثم ازاحة نظام "حسني مبارك". كان اقصى أمل المتظاهرين في ذلك الوقت، ولم يكن اسمهم الثوار بعد، هو إفهام وزير الداخلية، "حبيب العادلي" أن هناك ناس مقهورة وناس مظلومة وناس موجوعة، وأن نظام الداخلية القائم في الوقت الحالي غلط وباطش وظالم. كان هذا هو اقصى ما كان يطمح له المتظاهرون. لكن الامر أصبح فيما بعد ثورة، وبالتالي ارتفع سقف التطلعات. وهذا لم يكن شيئاً مقصوداً ولكنه كان سلوكاً عفوياً خرج من الشعب المصري. أنا حضرته وشاركت فيه. صحيح أنا لم أنزل إلى الميدان يوم 25 يناير. ويوم 26 يناير كنت أتابع برنامج مسابقة "أمير الشعراء" الذي يضم أربعين متسابقاً غيري، وكنت أريد أن أعرف نقاط القوة والضعف لدى خصومي. وكنت قد ألقيت في ذلك الوقت قصيدة "التاشيرة". ولكن لم أقل "مشهد رأسي من ميدان التحرير"، لأنه في ذلك الوقت لم يكن ميدان التحرير قد اكتسب رمزيته الثورية. والذي أود أن أقوله هو إن مشاركة هشام الجخ في ثورة 25 يناير بدأت يوم 28 يناير. وأذكر المكالمات التي كانت تنهال علي من اصدقائي وكانت تعاتبني:" يا هشام عيب عليك ألا تنزل ميدان التحرير والناس في الميدان يرددون أشعارك". في يوم 27 مساءً أُجريت معي مقابلة على الهواء على قناة المحور، وأثناء المقابلة قلت على الهواء "أنا نازل بكرة". واللهم لا زهو، ولكنني كنت الوحيد الذي قال هذه العبارة، في وسط إعلام كان كله يقول: "إن المتجمعين في ميدان التحرير عبارة عن شرزمة و قِلة معزولة". ولكنني فخور بأنني كنت ترس في آلة جبارة.

الفاتح ميرغني: هناك من يرى أن الشعر لم تعد له القوة التي كان يسهم بها في صياغة الحياة وإعطاء الإنسان معنى أن يعيش وينتصر. فهل ما زلت تعول وتراهن على الشعر كقوة محركة على المستوى الثقافي او حتى الثوري؟

هشام الجخ: الشعر فن مثله مثل السينما والغناء والموسيقى والمسرح. والفن بشكل عام محرك، غصباً عن أي شخص. هناك أحداث تاريخية حدثت بناءً على فيلم سينمائي شهير. وهناك شخصيات تغيرت علاقاتها الزوجية في البيت إلى الافضل نتيجة مشاهدتهم لفيلم أو مسرحية أو قراءة رواية أو استماعهم لقصيدة أو اغنية، وهناك شعوب تغيرت آراؤها ومفاهيمها بسبب الفن. ثورة يوليو 1952م في مصر مثلا، ما كان لها أن تحقق زخماً وشعبية، مع تقديرنا للعوامل الأخرى، لو لا أن "عبدالحليم حافظ" و" أم كلثوم" غنيا للثورة. فالفن محرك. لكن الشعر تحديداً لأنه فن قديم وجاءتْ عليه فنون تالية، مثل السينما ومثل المسرح، فأخذتْ من شعبيته، وهذا شيء طبيعي. كان المسرح في الماضي هو الفن الوحيد القائم على أساس التمثيل والتشخيص إلى أن جاءت السينما وأخذت من المسرح شعبيته. والشعر فيه المسرح وفيه السينما، فلا بد أن يكون محركاً. والذي يقول إن العرب لم يعرفوا السينما أو المسرح، ادعوه لقراءة أشعارهم. يعني عندما يقول الشاعر: "لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم، وحمّلوها وسارت في الدجى الأبل. وأرسلت من خلال الشق ناظرها، ترنو اليّ و دمع العين ينهمل". هنا توجد سينما. الشعر قادر على توصيل الرسالة. لكن لكل فترة أبطالها. يعني السينما المصرية، مثلا، كانت في عز قوتها في الستينات والسبعينات، وجاءت فترة الثمانينات وبداية التسعينات فأصابها شيء من الركود. ولكن في آواخر التسعينات استعادت زخمها ورجعت بقوة. يبقى الفن محرك ولا يمكن إنكار تأثيره.

الفاتح ميرغني: سألت الشاعرة والإعلامية بروين حبيب في حوار معها في طوكيو عن نزار قباني وكيف كان يكتب الشعر. فقالت كان يحب أن يكتب القصيدة على ورق ملون، ووصفت ذلك بـ"الذوق أو الاناقة الشعرية". كيف يكتب هشام الشعر؟ وهل هناك طقوس معينة يتبعها عند كتابة القصيد؟

هشام الجخ: لا. لم أكتب الشعر بهذا المستوى الشكلي على ورق ملون. واسمع أحياناً بأن هناك نفر من الناس لا يكتبون الشعر إلا اذا كانوا جالسين في مكاتبهم. انا لم اكن اتمتع بالرغد الكافي لمثل هذه الاشياء. انا أكتبت بعض اشعاري على علب السجاير وعلب الكبريت. لكن الشيء الوحيد الذي احرص عليه هو اولا: الكلام ده سبق أن قيل ام لا. ولذلك انا اتابع بإهتمام ما يكتبه كبار الشعراء وصغار الشعراء لكي ابتعد. والبعد هنا امر صعب جداً لأنك مرات تقرأ قصيدة فتنطبع في دواخلك. وعندما تكتب قصيدة ربما تشعر بأنك توشك ان تلامسها لكن، ورغم ذلك ابتعد. وهنا يأتي تميزك وإبداعك وتفرًدك.

الفاتح ميرغني ما هو المدى الزماني الذي يستغرقه هشام في كتابة القصيدة؟

هشام الجخ: انا بكتب القصيدة على مهلي جدا. يعني بكتب القصيدة وبقرأها وبراجعها وقد يستغرق ذلك الأمر شهر او شهرين قبل أن القيها على مسامع أحد ما. حتى اصدقائي لا يسمعون القصيد إلا وانا القيها في المسرح. ولذلك لا تجدني أقرأ من ورقة على الإطلاق. وعندما يتصل بي بعض الاصدقاء ويقول لي: "يا هشام انا كتبت قصيدة بالأمس واريد ان اسمعها لك، أكون في قمة "الزعل".

الفاتح ميرغني: ما الذي يميز تجربة هشام الشعرية؟

هشام الجخ: انا لا ادرى. والله العظيم لا ادري، انا اقف على المسرح واقول شعر. انا فاهم شعر وانا بكتب شعر ومذاكر شعر. لكن حقيقة أتمنى ان اعرف ما يميز تجربتي حتى استفيد من نقاط القوة والضعف فيها.

الفاتح ميرغني: البعض يتساءل عن سر تأخر إصدارك مجموعة شعرية رغم حضورك الطاغي جدا في المشهد الثقافي العام.

هشام الجخ: أنا لي أصدقاء كثر وأقل واحد فيهم لديه سبعة دواوين شعرية. والدواوين كثيرة وكذلك دور النشر، وطباعة الديوان أمر أسهل ما يكون لكنه لن يصل إلى الناس. ذلك اننا اصبحنا، للاسف، أمة لا تقرأ. وإذا كنت تريد أن تصل إلى الناس وتسمعهم شعراً، لا انصحك بعمل ديوان. عليك أن تصل للناس عن طريق الوسائط التفاعلية مثل النت والفيس بوك. أيهما أكبر عدداً من يجلسون على النت ام من يشاهدون التلفزيون ام من يذهبون إلى المكتبات؟ إذن انت تحرص على أكثر مكان يتواجد فيه الناس. وأنا أراهن على عودة الشعر وليس شعبية هشام. فما دمت أعمل على شيء شعبي إذن من الضروري أن أصل للناس بطرق بسيطة. ويمكنني أن اذهب غداً إلى أي دار نشر وأطلب ربع مليون جنيه، وأطبع ديوان شعري. فلو طبعت ديواناً يمكنني أن ابيع 2000 نسخة، لكن عندما أحمًل فيديو على النت يمكن أن يصل عدد المشاهدين لهذا الفيديو إلى 5 مليون مشاهد.

الفاتح ميرغني: هل يمكن ان نقول بأن هشام يراهن على وسائل التواصل الإجتماعي، عوضا عن الديوان المطبوع ، لتوصيل رسالته الإبداعية؟

هشام الجخ: نعم لأن وسائل التواصل الإجتماعي هي الاسرع والاسهل. وهناك ميزة وهي أنك عندما تحمًل قصيدة على اليوتيوب، مثلا، حتى الشخص الذي لا يستطيع القراءة يمكن أن يسمعها. والحمد لله هناك اكثر من ثلاثة ملايين متابعاً في صفحتي، إلى درجة أن إدارة الفيس بوك قد إعتمدتها صفحة رسمية.

الفاتح ميرغني: انتقد البعض إلقاءك الشعر بالعامية ولكنك كتبت قصائد بالفصحى أيضاً مثل قصيدة التأشيرة. فهل نتوقع من هشام التوجه لهذا النوع من الشعر في المستقبل؟

هشام الجخ: انا كتبت الشعر العامودي باستثناء التاشيرة التي كانت بالفصحى. انا كتبت أيضاً القصيدة المضفّرة (تداخل الفصحى والعامية) كما في قصيدة "ما حُرِّفَ في التوراة" وقصيدة "جحا".. وانا بمقدوري كتابة قصائد على شاكلة " ومدعشر بالقحطلين تحشرفــــــــت شرفتاه " ولكنني أعرف ما هو جمهوري وكيف أخاطبه. فإذا لم تخاطب جمهورك بلغة سهلة فلن تنجح. "لازم تأخدهم خطوة خطوة". الآن عندما اقيم أمسية شعرية في السعودية يحضرها 22 الف شخصاً، في حين أن جمهور هشام الجخ عام 2008م، لم يكن يتعدى الـ 25 شخصاً. انا كنت ألقي الشعر في المقاهي وبين أصدقائي وفي أماكن أخرى مجاناً. الآن انت ولكي تدخل حفل لهشام لابد وأن تدفع. وهذا لا يتأتى إلا بالصبر وبالبساطة والمثابرة وأخذ الجمهور خطوة خطوة. فإذا أنت تعاليت على الناس وتعاملت معهم بصورة فوقية فلن يهتموا بك.

الفاتح ميرغني: " جاياني ملهوفة ما تلاقي غير صدي. أحزن في احضانها وافرح هناك وحدي". إن الذي يستمع لقصيدة ايزيس و "كنت بحبك" يشعر أن هناك إمراة فصْدت كبد الفرح في هشام، أو كما قالت الإعلامية منى الشاذلي: إن الذي يستمع لقصائد هشام الجخ يكاد يجزم أن له ثأراً مبيتاً مع كل قبيلة النساء بسبب إمرأة!!

هشام الجخ: الناس من أمثالي، وهم كثر في العالم العربي، دائماً ما تكون لهم تجارب "بناتية" ولا اقول مغامرات نسائية. ومجتمع الصعيد مختلف بعض الشيء عن مجتمعات المدن والحضر. فهو مجتمع له خصوصيته، والولد الذي يمشي مع بنت لا بد وأن يتخذ حيطة شديدة وحذر بالغ حتى لا يراهم أحد تجنباً للمشاكل التي يمكن ان تحدث له ولها ولأهليهما. وقد لايراها إلا في المناسبات أو مرة في الاسبوع. ولذلك كان الحب عندنا زيادة بعض الشيء وكان مثالياً بعض الشيء وكان مسرفاً ومفرطاً ومتدفقا. ولذلك كانت صدماته تقارب هذا التدفق. بمعنى أنه كلما كنت تحب بصورة قوية، كلما كان الجرح أو التوجع بنفس القوة، اي كلما كان الحب عميقاً فإن انتهائه يترك جرحاً غائراً بذات العمق.

الفاتح ميرغني: " نانا" البنت الدوشة الزيطة كثيراً ما تكررت في أشعارك بمثابة البنت الحديقة.

هشام الجخ: "نانا" كانت اطول تجربة وأول تجربة. كانت تجربة موجعة جدا وكانت تجربة قوية جداً، وكانت تجربة صعبة جداً. ولأني كنت بحب بغزارة، فعندما توجعت، طلعت هذه الغزارة العاطفية من أعماقي، وعبًرت عن نفسها شعراً.

الفاتح ميرغني: ما معنى الهويس وما هي رمزية إيزيس، بعيدا عن ترميزات الأسطورة الفرعونية الخالدة؟

هشام الجخ: الهويس هو تدفق الماء على الأرض اليابسة. وقد أطلقه عليً إتحاد الكتاب المصري حين حصلت على جائزة أحسن شاعر عامية عام 2008. اما ايزيس فهي البنت التي تهيم بك والتي تشعر بحزنك وأوجاعك ولكنك لا تراها أو لا تتنبه بالقدر الكافي لإشارات الحب الصادرة عنها. " تَهْدِيْنِيْ يَوْمَ وَرَدَةُ أُدِّيَهَا لِفُلَانَةَ تَجْرِيَ عَلَىَ حُضْنِيَ احكِيْلَهَا عَنْ نَانَا". وعلى فكرة، اكتر قصيدة انا بحترمها لهشام الجخ هي أيزيس.

الفاتح ميرغني: حدثنا عن تجربة إلقاء الشعر على وقع الموسيقى ومعك هذه الكوكبة المبدعة من الشباب. لقد استمعت لهم في حفل مكتبة جامعة الاسكندرية وقد كانوا قمة في التجانس والإبهار، وقد جال بخيالي الشاعر الأمريكي العظيم الراحل أميري باراكا الذي كان يلقي قصائده على أنغام الساكسفون والراحل احمد فؤاد نجم والشيخ امام.

هشام الجخ: هذه التجربة تختلف عن التجربة الغنائية للراحل "أحمد فؤاد نجم" والشيخ "امام". انا عندي القصيدة بتتسمع قصيدة ونعمل على هذا الشيء بروفات ومقاطع ونوتة موسيقية خاصة لكل قصيدة. وهي تجربة تختلف عن الغناء. فالغناء مزيكا وكلام يُردد. اما في تجربتنا فالمسألة تختلف وتحتاج لهارموني عالى جدا سواء بيني وبين دكتور "محمد سعد" او "محمد سامر" (عازفان في الفرقة المصاحبة لهشام الجخ).

الفاتح ميرغني: أنت متهم بانك تفاصيلي، اي تهتم بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل.

هشام الجخ: انا بشتغل على لون جديد، وهذا موضوع كبير ومرعب جداً. ولا تنسى أن الشخص الذي يأتي هو واسرته لكي يستمعوا لك لهم عليك حق. أقله أن تقدر هذه البادرة منهم وأن تقدم لهم عملا يليق بهم وينال اعجابهم. وأنا دائما حريص على مراجعة الأشياء حتى الديكور والإضاءة. هذا إلى جانب حرصي على التواصل المباشر مع جمهوري في المسرح. ومن هنا جاء إهتمامي بتفاصيل التفاصيل، على حد قولك. مرة كنت في حفلة في الإمارات، واراد القائمون على الحفلة أن يدخلوا شيئا من التكنولوجيا والإبهار، فجلبوا شاشتين بلازما كبيرتين ونصبوهما على جانبي المسرح". وبعد القصيدة الأولى، طلبت من القائمين على الحفل فصل الشاشتين لأنهما يشتتان إنتباه وتركيز الجمهور معي. فأنا احب ان اتفاعل مع الجمهور بشكل مباشر. بعشق عيون الناس وهي بتلمع وانا واقف على خشبة المسرح.

الفاتح ميرغني: يلاحظ أنك لم تقتحم مجال القصيدة الغنائية رغم أن هناك فنانات طلبن منك أن تكتب لهن قصائد او عبًرن عن رغبتهن في التعاون معك مثل أصالة نصري؟

هشام الجخ: نحن نعمل من أجل عودة الشعر مرة ثانية. وهذا هو سبب رفضي كتابة الأغاني.

الفاتح ميرغني: لديك حلم أو مشروع عظيم وهو رؤية الوطن العربي كوطن من غير حدود بين الدول العربية، جسدته في قصيدة التأشيرة، وهي قصيدة لقيت رواجاً في وسائل الإعلام وشعبية كبيرة في العالم العربي. فهل انت متفائل بإمكانية تحقيق هذا الحلم؟

هشام الجخ: الولايات المتحدة الامريكية لو لم تكن 52 ولاية، ولو لم تكن بهذا الحجم وبهذه الأنهار والموارد الهائلة، ما كانت وما عادت وما أصبحت الولايات المتحدة. مساحة الارض شيء ضروري وشيء أساسي في قوة الدولة. فنحن لم نستهتر بروسيا إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. والاتحاد السوفيتي على بطشه، وعلى قهره، وعلى مشاكله المالية وعلى كل ما كان فيه من مساوئ، لكنه كان الاتحاد السوفيتي، بسبب مساحته وقوته، وبسبب موارده. ولو لم يكن بهذه القوة وهذه المساحة، ما كان بهذه القوة. الحكم العثماني ما كان من الممكن أن يكون بالزهو والقوة إلا بسبب كبر مساحته. ولكن العالم العربي له خصوصية غير متوافرة لدى الآخرين. بمعنى أنه لا يوجد في العالم مجتمع يصلح لأن يتوحد إلا العالم العربي. ليس بيننا حروب وليس بيننا خلافات حقيقية. وليس بيننا من قتل 50 مليون فرداً كما حدث في أوروبا. فأى منطق ذاك الذي يقول إن الاتحاد الاوروبي يقوم والاتحاد العربي لا يقوم. أي منطق يقول إن الاوروبيين الذين قتلوا من بني جلدتهم قبل 50 سنة أكثر من 50 مليون إنساناً، ينجحون في تأسيس اتحاد ويتفقون على عملة موحدة والاتحاد العربي لا يقوم، ونحن نفس الدين ونفس اللغة ونفس التاريخ وتقريباً أعراق متداخلة. أنا لي أقرباء في السودان. "وعين شمس في عزبة الهجانة كلها سودانيين.." وعندما اذهب لتونس لإحياء حفلة، فإن 30% من التونسيين يقولون لي "نحن اصلاً من صعيد مصر وجئنا إلى تونس في غزوة الهلالي". كلمة نحن عرق واحد هذه كلمة صادقة جداً.هناك اشراف في الصعيد من المغرب. إذن السؤال هو أي منطق يقول أن العالم العربي يتفتت؟

الفاتح ميرغني: هناك من يقول بأن إلغاء تأشيرات الدخول، على سبيل المثال، سيخلق هجرة ضاغطة إلى الدول الغنية.

هشام الجخ: ليس صحيح. أنا خريج تجارة دراسات عليا إدارة أعمال. آليات سوق العمالة لا تعمل هكذا. صحيح سيكون هناك ضغط على الدول الغنية لفترة سنتين وعندما يحدث هناك تكدس عمالة، ستصبح مزارع السودان قبلة توجه للإستثمار الزراعي وهكذا. ستبقى أطول سواحل في العالم العربي والمضايق ستجعله يتحكم في تجارة العالم. دونك جبل طارق ودونك قناة السويس ودونك باب المندب ودونك مضيق عدن. لو أغلقت الدول العربية هذه المضايق فلن يكون هناك تبادل تجاري. إن إلغاء التأشيرات هو بداية لتوحيد العملة وبداية للدفاع المشترك.

الفاتح ميرغني: ما هي أعمال هشام القادمة؟

هشام الجخ: هناك ثلاثة اعمال شعرية: " المكالمة" وهذه قيلت في فبراير الماضي وقصيدة "طبعا ما صلتش العشاء" وهذه سوف نقدمها في حفل في شهر مايو المقبل، والقصيدة الثالثة حول تجربتي مع زيارة الأراضي المقدسة حيث أديت فريضة الحج.

الفاتح ميرغني: ماذا عن مستوى العمل العام وجمعية الهويس؟

هشام الجخ: على مستوى العمل العام، فهشام خرج من كونه شاعرا إلى تكوين مؤسسة اسمها "جمعية الهويس لتنمية المجتمع". ونحن نعمل على قضايا أُخر، مثل حملة إلغاء التاشيرات بين الدول العربية، وحملة جمع البطاطين في الشتاء الماضي، وفي حملة تبرع بالدم. يعني الآن نحن عبارة عن مؤسسة لخدمة المجتمع العربي وليس المجتمع المصري. وتساعدنا في ذلك الجاليات العربية في الخارج. فنحن عملنا في النمسا، وعملنا في باريس، وعملنا في جنيف وعملنا في بلجيكا. ونحن نشتغل على الجاليات العربية في الخارج. وعندما نسافر، فنحن لا نسافر باسم مصر وإنما بإسم العالم العربي.ونحن في تلك المهمة نحمل على اكتافنا اسم الشعب العربي، ونسعى لتوصيل رسالتنا التي نؤمن بها. وبالمناسبة نحن مدعوون لزيارة السودان للمشاركة في برنامج ثقافي تراثي:" ريحة البن".

الفاتح ميرغني: الاستاذ هشام الجخ لقد سُعدت جدا بلقائك وتشرفت جدا بحوارك.

هشام الجخ: دعني أقول لك شيئاً يا الفاتح: لقد سرني مستوى البلاغة والفصاحة في حواركم وهو مانتمناه دوماً من المذيعين والإعلاميين.

الصورة: عدسة ميدوماكس
الفاتح ميرغني رئيس تحرير مجلة وورلد لينكس سابقا في طوكيو.
الحقوق الحصرية لوكالة بان اورينت نيوز في طوكيو


قالوا للفاتح