بناء الأوطان والأحداث المعاصرة: الدكتور مهاتير محمد يتحدث إلى الفاتح ميرغني

طوكيو- الثلاثاء 7 يونيو 2016
مقابلة حصرية مع بان اورينت نيوز

هو واحد من القادة العظماء الذين اقترنت اسماؤهم بمفهوم بناء الاوطان. فهو لم يحول بلاده من دولة زراعية راكدة إلى مركز ثقل صناعي فحسب، بل ونجح في حمايتها من التداعيات الضخمة للأزمة المالية الآسيوية عام 1997. إنه الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق.
إلتقته بان اورينت نيوز في طوكيو خلال مشاركته في مؤتمر " مستقبل آسيا" الذي استضافته طوكيو، وكان لنا معه الحوار التالي:

الفاتح ميرغني: دأبت على زيارة اليابان بشكل متواصل، ويبدو ان الشعب الياباني يكن لك محبة كبيرة ويقدر إنجازك خلال فترة توليك رئاسة الوزراء. هل لك أن تحدثنا عن هذه العلاقة المتبادلة من المحبة والإعجاب؟

الدكتور مهاتير: أنت تعرف ان اليابان غزت ماليزيا خلال الحرب العالمية الثانية، وكان هناك بعض العداء في ذهنية الماليزيين تجاه اليابان، ومع ذلك كنا نشعر بأن هناك الكثير الذي يمكن تعلّمه من اليابان. لقد جئت لأول مرة الى هنا عام 1961، ولاحظت ان الشعب الياباني يعمل بجد وهِمة لإعادة بناء دولته. وقد نجح في ذلك حتى أن اليابان في نهاية المطاف أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لهذا وبسبب ذلك، قررنا ضرورة استنساخ الطريقة اليابانية في تطوير البلاد. وطرحنا ما يعرف باسم سياسة "التوجه شرقاً" متطلعين الى اليابان، وبالطبع أسسنا علاقات جيدة مع حكومة اليابان وكذلك مع رجال الأعمال، حيث دعوناهم للحضور إلى ماليزيا، وقد بدأ ذلك في الستينات. وهكذا، بدأنا بطبيعة الحال نتعرف إلى بعضنا البعض بشكل جيد جدا. والشعب الياباني يعرف عن ماليزيا ومدى تقدمها، ومسعى محاكاتها لما يحدث في اليابان، لذلك أصبحنا ودودين للغاية تجاه بعضنا البعض.

الفاتح ميرغني: ما فهمناه أنك حولت ماليزيا من بلد راكد زراعيا الى دولة صناعية. واستطعت أيضا حماية بلادك من التداعيات الضخمة للأزمة المالية الآسيوية عام 1997. كيف نجحت في ذلك؟ ونعرف بأن عددا قليلا جدا من القادة في العالم قد تمكن من تحقيق هذه الإنجازات العظيمة من حيث بناء الدولة، وفي ذهني الراحل نيلسون مانديلا، رئيس جنوب افريقيا، والراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الامارات العربية المتحدة والدكتور مهاتير.

الدكتور مهاتير: حسنا، نحن تبنينا صيغة النظام الديمقراطي في بلد يضم ثلاث مجموعات إثنية مختلفة وهي: الملايو، السكان الأصليين، والصينيين والهنود. وهذا يؤدي عادة إلى نوع من الصراع والمواجهة والعنف. ولكننا حلينا تلك الاشكالية حيث قررنا مقاسمة الثروة والسلطة فيما بين هذه الإثنيات الثلاث بحيث اصبح لها حق المشاركة في ادارة البلاد. وهكذا اصبحت الثلاثة عرقيات تشارك في حكم البلاد وهذا ما جعل ماليزيا تنعم بالسلام والاستقرار. وفقط في فترات الاستقرار والسلام، يمكن التطوير وإحراز التقدم في البلاد. وهذا أول ماحققناه في السبعينات. ثم بعد ذلك راقبنا نماذج التنمية وأخذنا نموذج اليابان وبعض الدول الأخرى بعين الاعتبار. واعتمدنا بعض استراتيجياتها، حتى أننا حاولنا اعتماد أخلاقيات عملهم لأننا نعتقد أن أخلاقيات العمل لها صلة قوية بنجاح أو فشل الفرد أو المجتمع أو الدولة. وكان لدينا بالطبع مشاكل البطالة، ومن أجل خلق فرص عمل لأبناء شعبنا، من غير الممكن أن نعتمد على الزراعة ذلك أن الزراعة لا تحتاج للكثير من الأشخاص. لذلك قررنا وجوب الاعتماد على التصنيع ولكن لم يكن لدينا المعرفة في الصناعة والتكنولوجيا. لذا قمنا بدعوة المستثمرين الأجانب للقدوم إلى ماليزيا للاستثمار فيها مقابل منحهم إعفاءات ضريبية، ولكن في الوقت نفسه كان شرطنا بالنسبة لهم خلق فرص عمل "لشعبنا". وفي الواقع، خلقوا الكثير من فرص العمل حتى أننا في نهاية المطاف اعتمدنا على العمالة الأجنبية لكي تشغل فرص العمل الفائضة.

الفاتح ميرغني: لقد دُعيت إلى العديد من المحافل الدولية لمشاركة قصة نجاح ماليزيا. هل تعتقد أن النموذج الماليزي قابل للتصدير؟ بمعنى آخر، هل تعتقد انه بمقدور الدول الأخرى استلهام النموذج الماليزي أم أنه تجربة متفرّدة وقاصرة فقط على الشعب الماليزي؟

الدكتور مهاتير: حسنا، لقد استوردنا نظماً وتكنولوجيا أجنبية. لذلك أعتقد أن ما نقوم به يمكن اعتماده من قبل دول أخرى. ولكنه يتطلب في ذات الوقت بعض المتطلبات الأساسية، كما قلت قبل قليل، اي بلد يريد أن يتبنى نموذج ماليزيا يجب أن يكون مستقرا سياسيا، وبعد ذلك يمكن نسخ بعض الأشياء التي انجزناها. ولكن إذا كان ( ذلك البلد) داخلا في صراعات ومعارك وحروب أهلية وما شاكل ذلك، فبالتأكيد لا يمكنه اعتماد استراتيجيات ماليزيا.

الفاتح ميرغني: في مقابلة مع بي بي سي ذكرت أنك كطبيب إذا اكتشفت ان ساقا واحدة أصيبت بالغرغرينا فإنك تقرر بترها. هل تتعاطى مع السياسة من منظور طبي، بمعنى، هل تحلل المشاكل السياسية بنفس الطريقة التي تشخص بها، على سبيل المثال، التهاب الكبد الوبائي؟

الدكتور مهاتير: الى حد كبير. لقد تدربت كطبيب، ويواجه الأطباء مشاكل في محاولة علاج مرضاهم، وهناك إجراءات نمر بها، مثل معرفة التاريخ الطبي للمرضى، والإشراف على اختبارات اللياقة البدنية، وإجراء اختبارات إضافية باستخدام أدوات إضافية، وكل ذلك حتى نتوصل إلى التشخيص السليم والتعرف على نوع المرض الذي يعاني منه المريض. وبمجرد معرفة الداء، فإنه ليس من الصعب العثورعلى حل أو دواء له، وذلك ينطبق على الإدارة. فغالبا ما نواجهة مشاكل مع الإدارة، ربما محلية وربما خارجية والى ماهنالك. وفي اللحظة التي نواجه فيها المشكلة، علينا دراستها وفهمها لمعرفة أسبابها. وبمجرد معرفة الأسباب، أعتقد أنه يمكنك إيجاد طريقة للتغلب عليها.

الفاتح ميرغني: منسوب لك الفضل في صك مصطلح "القيم الآسيوية مقابل القيم الغربية". ما هو في تقديرك وجه الاختلاف بين القيم الآسيوية والقيم الغربية؟

الدكتور مهاتير: مازلنا محافظون جدا. ولا نزال متمسّكون بقيمنا الثقافية وقيمنا الأخلاقية. ونعتقد أنها جيدة بالنسبة لنا، ونحن لسنا بحاجة إلى تبني القيم الغربية في كل الوقت. هنالك بعض الأمور الجيدة التي ينادي بها الغربيون. على سبيل المثال، حديثهم عن المساواة وحقوق الإنسان، وهي أمور جيدة. ولكن إذا ذهبنا بها إلى حد التطرف، فإنها تصبح سيئة. مثلا، عندما يتعلق الأمر بالمساواة بين الرجل والمرأة، فإن الذهاب بهذا المفهوم إلى حد الشطط، بحيث تصبح الأمور السيئة التي يقترفها الرجل متاحة للمرأة أيضا، فإن هذا النمط من التفكير غير مقبولا وليس آسيويا في شيء. نحن متمسكون بقيمنا التقليدية جدا، ونؤمن بالعمل الجاد، مع التركيز بشكل أقل على الحقوق الفردية مقابل حقوق المجتمع.

الفاتح ميرغني: هل تأسفت على قرار اتخذته حين كنت رئيسا للوزراء، رغم أنك تبدو حصيفا جدا في صنع القرار؟

الدكتور مهاتير: لست جيدا جدا في اختيار الأشخاص، لذلك كان لدي بعض المشاكل في اختيار الأشخاص الذين كانوا من المفترض أن يساعدوني أو الذين سيخلفوني في تولي زمام الأمور. هذا شيئا فعلته وأنا نادم عليه، ولكن أعتقد أنه من الطبيعي أن "ترتكب" مثل هذه الأخطاء.

الفاتح ميرغني: كيف تنظر إلى النظام العالمي الحالي؟

الدكتور مهاتير: حسنا، التقييم السائد الآن هو ان العالم اليوم متصل، عالم معولم - عالم بلا حدود. هذا أمر جيد للغاية في بعض الأحوال ولكن هناك أيضا آثار سلبية لذلك. هناك واد بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة. لذلك عندما نتحدث عن العولمة، علينا أن نفهم أن بعض البلدان لا يمكن أن تكون مفتوحة مثل الدول الأخرى،الأكثر قدرة على المنافسة. لذلك من أجل أن يصبح لدينا عالم معولم، نحن بحاجة إلى إعطاء قدرمن المرونة وبعض الامتيازات للدول الأضعف مقابل الدول الفقيرة، بحيث يكون لديها القدرة على التقدم دون فرض الكثير من القيود عليها.

الفاتح ميرغني: كيف تنظرون إلى إرث الرئيس أوباما الذي أصبح بطة عرجاء في هذه اللحظة؟

الدكتور مهاتير: لقد أجرى العديد من التغييرات التي أعتقد أنها كانت جيدة جداً، بما فيها إعادة العلاقات مع كوبا. ولكن (كما هو الحال) مع الرؤساء الآخرين، لم يتمكن من الوفاء بالوعود التي أطلقها. فهو لم يستطع إغلاق معتقل غوانتانامو بعد يومين من توليه الرئاسة، على سبيل المثال، وهناك العديد من الامور التي كان يعتقد بمقدوره أن يفعلها، لكنه لم يستطع ذلك. لكن تجاه قضايا مثل إعادة إقامة العلاقات مع كوبا، وحل المشاكل مع ايران والولايات المتحدة وبعض الأشياء الأخرى، فقد كان ناجحاً جداً. ولكن على المرء أن يتذكر أن العديد من سياساته المذكورة تم تبنيها في نهاية فترة ولايته. وهذا لا يعني أن خليفته سيتمسك بقراراته أو سياساته. ولذلك ربما يكون مثل سائر الرؤساء في أواخر فترات رئاستهم، يقول كلاما يُطرب الآذان حين تسمعه، ولكن لا يتم تنفيذه.

الفاتح ميرغني: لقد شارك اوباما مؤخرا في قمة مجموعة السبع التي عقدت هنا في اليابان، وكذلك زار هيروشيما كأول رئيس أميركي يزور المدينة وهو في سدة الحكم. هل ترى أي أهمية أو مغزى في هذه الزيارة؟

الدكتور مهاتير: أعتقد أن زيارة هيروشيما في حد ذاتها نوع من الإقرار بأن كل شيء كان خاطئا. قال انه لم يعتذر، ولكن حقيقة زيارته لهيروشيما في حد ذاتها نوع من الاعتراف، بأن ماحدث لا ينبغي أن يتكرر وأن الأسلحة النووية لا ينبغي أن تُستخدم. وحتى إلى هذا الحد، أعتقد أن هذه الزيارة كانت جيدة، ولكن بالطبع احد المطالب التي قُدمت له وقبل بها هي وجوب نزع الأسلحة النووية. وقال: نعم، ولكن الأمر سيستغرق وقتا طويلا. الى متى؟ نحن لا نعرف - لكنه لن يكون في السلطة بعد الآن، لذلك قد يتخذ الآخرون قرارات أخرى.

الفاتح ميرغني: المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية، دونالد ترامب، قال إنه سيمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة إذا اُنتخب الرئيس المقبل. ما هو تعليقك على ذلك؟

الدكتور مهاتير: حسنا، أعتقد أن دونالد ترامب هو مثال للرجل الأميركي العادي، فهو لا يعرف الكثيرعما يجري خارج الولايات المتحدة. وكما تعلم، فإن الأميركيين يعتبرون أميركا هي العالم. ولهذا حتى عندما يلعبون كرة القدم الأمريكية فيما بينهم، فإنهم يطلقون عليها: "بطولة العالم". بالطبع، بالنسبة لهم، أمريكا هي العالم. ولكن بمجرد أن يصبح رئيسا، سوف يدرك أن العالم أكبر بكثير وأكثر تعقيدا من أمريكا، ولن يتعامل فقط مع السياسة الداخلية. ولكنه سيتعامل مع السياسة الدولية، وفي تلك المرحلة سيتوجب عليه أن يعيد النظر في الكثير من أفكاره، خاصة عندما يشير إليه موظفوه الدائمون أن بعض الأمور لا يمكن تنفيذها. حدث هذا مع أوباما، وحدث تقريبا مع كل رئيس منتخب. وبعد أن يتم انتخابهم، لا يمكنهم تنفيذ وعودهم ببساطة لأن حولهم مجموعة مستشارين، على دراية بالمشاكل التي تعاني منها الولايات المتحدة أكثر بكثير من الرئيس المنتخب حديثا. وحتى أنهم سوف يكون لهم تأثير كبيرعلى الرئيس الجديد، سواء كان دونالد ترامب أو هيلاري كلينتون، سيحدث معه الشيء نفسه.

الفاتح ميرغني: الدكتور مهاتير تشرفت جدا بلقائك وشكرا على اتاحة الفرصة للحوار.

الدكتور مهاتير: شكرا.

الصورة : الدكتور مهاتير والفاتح ميرغني

الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الاسبق
الفاتح ميرغني/ محرر رئيسي في بان اورينت نيوز


سياسة