أنا والجريئة: المخرجة المصرية إيناس الدغيدي تتحدث إلى الفاتح ميرغني

الفاتح ميرغني يلتقي إيناس الدغيدي

" انا لست ضد الدين"
"تم اختياري في مجلة تايم مع الشيخة موزة والملكة رانيا وشيرين عبادي"
" المجتمع لمن تزمت وانغلق صار يرى ايناس الدغيدي خارجة عن المألوف"

بان اورينت نيوز/ خاص من القاهرة
الجمعة 11 نوفمبر 2016

تخرجتْ في المعهد العالي للسينما في القاهرة في عام 1975. رغم أدائها لبعض الأدوار الصغيرة في عدة أفلام، إلا أن مجال الإخراج كان يشدَها إليه شدا، فكانت أول امرأة في العالم العربي تخوض تجربة الأفلام الروائية الطويلة. وتم اختيارها من قبل مجلتي تايم ونيوزويك الأمريكيتين ضمن أهم الشخصيات المؤثرة في العالم العربي.
كانت أول تجربة إخراجية لها عام 1985 هي فيلم (عفوا أيها القانون). ثم اقتحمت مجال الإنتاج السينمائي من خلال شركة «فايف ستارز»، حيث أنتجت سبعة أفلام روائية وهي: استاكوزا -دانتيلا-الوردة الحمراء -كلام الليل -مذكرات مراهقة -الباحثات عن الحرية -ما تيجي نرقص. ثم قدمت برنامجها التلفزيوني:" هو وهي والجريئة" والذي أثارت كل حلقاته ضجيجا وفجّر العديد من القضايا الشائكة في حياة النجوم والمشاهير، وقدمت أيضا تجارب درامية تليفزيونية ناجحة. إنها الجريئة. .المختلفة. .الأنيقة. . الأكثر إثارة للجدل والاهتمام. المخرجة إيناس الدغيدي.

الفاتح ميرغني: أستاذة إيناس الدغيدي تم اختيارك من قبل مجلة نيوزويك الأمريكية وأيضا مجلة تايم الأمريكية ضمن أكثر مائة شخصية مؤثرة في العالم العربي، ما سبب ذلك الاختيار وما هو شعورك وأنت تدخلين في هذه التصنيفات المتميزة؟

المخرجة إيناس الدغيدي: بداية ً أول ما كُتب عني كان في جريدة " وول ستريت" الأمريكية، وكنت في غاية السعادة وقتها، حيث كان هناك صحفي أمريكي يقوم ببحث عن السينما المصرية، وقد جاءني في موقع العمل وحضر معي التصوير ودار حديث كبير بيننا وتم نشره في جريدة وول ستريت. تلك كانت أول مرة يأتي صحفي من خارج مصر ليسأل عن إيناس الدغيدي، والذي جعلني سعيدة اكثر هو أن ذلك الصحفي كان يبحث عن شخصيات مختلفة تحاول أن تغيّر الشكل التقليدي للمجتمع المصري والعربي، بعد ذلك تم اختياري من قبل مجلة " تايم" كشخصية، ضمن أربعة شخصيات في العالم وفي الشرق الأوسط، تحاول تغيير الشكل التقليدي للمجتمع والاتجاه به إلى الحداثة، ومن هذه الشخصيات الشيخة موزة والملكة رانيا وشيرين عبادي، أول إيرانية تحصل على جائزة نوبل، كذلك سيدة الأعمال الكويتية الخرافي، كنا خمس شخصيات نسائية تم اختيارهن ليمثلن بلادهن في مجالات وأدوار مختلفة كالمجال الإنساني والأعمال الخيرية وغير ذلك، وكنت أنا امثل مصر في مجال الفن، أما عن مجلة نيوز ويك الأمريكية فقد اختارتني ضمن أربعين شخصية مؤثرة في العالم العربي.

الفاتح ميرغني: تحتفي بكِ الصحافة الأجنبية وتهاجمك الصحافة المحلية..

المخرجة إيناس الدغيدي: صدقني سبب اختياري من قبل المجلات الأمريكية لا يرجع لوجود علاقة صداقة أو مصالح بيني وبينهم، وما كنت أسعى لذلك ولم يكن لدي لوبيهات مثل ما يفعل بعض النجوم من خلال صداقاتهم مع الإعلاميين، أنا أقوم بعمل ما اقتنع به، وما يوافق عقلي، بالرغم من كوني لا أتخيل أنى أستطيع تغيير شكل المجتمع. أنا لا أقول أنى فتاة قادمة من عالم مغلق وأنادي بالانفتاح، لا. فقد ولدت أواخر الخمسينيات وعشت حياتي في منتهى الحرية والثقافة، فانا فتاة من عالم حديث ومتطور لكني اكُمل مسيرتي كما نشأت وتربيت عليها، فانا من طبقة متوسطة وكانت الحياة بالنسبة لي سهلة جدا، وكان لي أخوات بنات...

الفاتح ميرغني: كنتم ثماني اخوات لكن يقال إن إيناس هي الوحيدة التي تجرأت على الخطوط الحمراء!

المخرجة إيناس الدغيدي: نعم كنا ثماني أخوات بنات، وبالرغم من الاختلاف في التعامل بين الولد والبنت لكون الولد دائما مميزا عند الأم _ كما تعلم _ لكننا لم نشعر بالفرق الكبير، فانا فتاة تربيت بحرية وارتديت الميني جيب في المدرسة واُظهر شعري، وكنت العب في النوادي وانا مرتدية الشورت، وتعلمت في مدرسة عربية ليست اجنبيه، هذه هي مصر كما أراها، فانا لم أر بلادي منغلقة إلا لمن كبرت وبالتالي يوجد من يعتبرونني مختلفة وشاذة عن المجتمع، في الواقع هم الشواذ لا أنا، فانا فتاة طبيعية تربيت في الستينيات ورأيت الحياة منفتحة بدون تزمت وتعقيد فالمجتمع لمن تزمت وانغلق اصبح يرى إيناس الدغيدي خارجة عن المألوف.. يرى إيناس الدغيدي جريئة .... وغير ذلك. أنا لا أرى هذا صحيحا بل أنا فتاة طبيعية لتربية مصرية عادية، ولدت وعشت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ولم يكن لدينا أية مشاكل في المجتمع المصري.

الفاتح ميرغني: بدأتِ حياتك الفنية كممثلة ....

المخرجة إيناس الدغيدي: لا أنا التحقت بمعهد السينما ....

الفاتح ميرغني: ولكنك قمتِ بالتمثيل في بعض الأفلام. أشهرها أفواه وأرانب مع فاتن حمامة....

المخرجة إيناس الدغيدي: أنا كنت مساعدة مخرج في هذا الفيلم، ولكن الأستاذ المخرج بركات ومدام فاتن حمامة والأستاذ وحيد المصور اختاروني للقيام بدور تمثيلي في الفيلم، لكنني لم اتجه للتمثيل يوما ولم يكن هدفي، وذلك لأني وعدت أهلي أنى إذا دخلت مجال السينما فلن أتجه للتمثيل، وحافظت على هذا الوعد. وكنت صادقة مع نفسي ومعهم.

الفاتح ميرغني: لماذا اخترتِ مجال الإخراج السينمائي ؟

المخرجة إيناس الدغيدي: أنا دخلت مجال السينما بعد الثانوية العامة مباشرة وكان عمري وقتها 17 – 18 عام، ولم يكن هدفي أو حلمي دخول عالم السينما، بل كان حلمي أنا أكون طيارة وذلك لكونها مهنة لا تمتهنها المرأة، فأنا لا أحب أن يتم تصنيف المرأة في مجالات ومهن معينة كالمدرسة أو الممرضة أو الطبيبة. كانت زوجة خالي طيارة، وكنت أحب أن أراها كامرأة وهي تركب الطيارة وتطير بها، فكان هدفي أن أكون طيارة وان امتهن مهنة لا تمتهنها امرأة بشكل عام. فأنا لا أحب الحياة التقليدية، فقد وهبني الله صفة من صغري وهي أنى لا أحب تقليد غيري ولكوني لا أريد أن أكون امرأة تقليدية، فكنت ابحث عن مهنة غير تقليدية أيضا. وذلك ما دفعني لأن ادرس الإخراج ، وأن أعمل مخرجة فيما بعد، وأنت تعلم أن هناك رغبات للإنسان غير ظاهرة، لكن العقل الباطن يساعد على تحقيقها أو الوصول إليها، أنا التحقت بمعهد السينما بالصدفة، حيث كانت لي صديقة تدرس الموسيقى أشارت علي بتقديم أوراقنا في أكاديمية الفنون، وبالفعل قمت بتقديم أوراقي لدراسة الإنتاج وليس الإخراج، وفوجئت بنجاحي في امتحانات القدرات، وبعد فترة من الدراسة قمت بالتحويل إلى قسم الإخراج، وذلك لأن أساتذتي يرون أني سأكون افضل في الإخراج، وكان من بين أساتذتي الأستاذ صلاح أبو سيف ....

الفاتح ميرغني: أستاذ صلاح أبو سيف كان أول مخرج تعاملتِ معه. كيف كانت تجربتك في هذه المحطة؟

المخرجة إيناس الدغيدي: عملت معه مساعدة وأنا لازلت طالبة، واستمريت في العمل كمساعدة مخرج لمدة 10 سنوات. كان تحقيق طموحي لأكون مخرجة أمرا صعبا جدا -لكوني امرأة – فأنا أريد أن أكون مخرجة لكني لا املك القدرة المادية لإنتاج فيلم، وكان من الصعوبة أن تجد منتجا يقتنع بك ويقدمك كامرأة مخرجة في وقت يكثر فيه المخرجون الفطاحلة من الرجال. لكن مع كثرة أعمالي التي بلغت خمسة وأربعين فيلما، كمساعدة مخرج، بدأت أعمل فيلما من إخراجي وهو (عفو أيها القانون) لكني شعرت أنى لم استفد من السينما، حيث أن المنتجين كانوا حريصين أن أعمل كمساعدة للمخرج الضعيف، ويحملونني مسؤولية نجاح الفيلم، فبالتأكيد كنت اشعر بالغيرة لعدم عملي كمخرجة بالرغم من ثقتهم في قدراتي. وحتى بعد نجاح عملي الأول (عفوا أيها القانون) كمخرجة، فلم يُبارك لي بل التبريكات والاستحسان ذهبت إلى هؤلاء المخرجين –على أساس انهم صنعوا المخرجة الجديدة إيناس الدغيدي – بالرغم من قلة عملي معهم كمساعدة.

الفاتح ميرغني: هل انتابك شيء من الخوف وأنت تخوضين هذه التجربة خاصة وأن مجال الإخراج في ذلك الزمن كان فيه فطاحلة من المخرجين: صلاح أبو سيف وبركات وبشير الديك وحسين كمال وحسن الإمام وكمال الشيخ ؟

المخرجة إيناس الدغيدي: أنا لم ينتابني الخوف، لأني أعيش داخل السينما، داخل البلاتوهات، كنت انتهي من فيلم وأبدا في فيلم آخر وهكذا فكان الموضوع واضحا جدا في ذهني.

الفاتح ميرغني: لماذا اخترتِ فيلم عفوا أيها القانون كأول عمل سينمائي لك كمخرجة؟

المخرجة إيناس الدغيدي: اختياري لفيلم (عفوا أيها القانون) يرجع لشعوري بالظلم الواقع على المرأة ليس دفاعا عن المرأة لكونها من جنسي فإن كان ذلك الظلم واقعا على الرجل لكنت دافعت عن الرجال.

الفاتح ميرغني: لقد أثار الفيلم جدلا شديدا وحظي في ذات الوقت بثناء النقاد، خاصة دور الممثلة نجلاء فتحي...

المخرجة إيناس الدغيدي: نجلاء فتحي هي الممثلة المصرية الوحيدة التي نالت جائزة دولية عن فيلم " عفواً أيها القانون" بمهرجان طشقند الدولي للسينما.

الفاتح ميرغني: الفيلم كان ينادي بضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في الاستفادة من دفع الاستفزاز المفاجئ الشديد ...

المخرجة إيناس الدغيدي: التمييز في الاستفزاز بين الجنسين لا يُقره الشرع، فالشرع لم يفرق بين الرجل والمرأة في حد القتل أو حد الزنا، فالاثنان متساويان في الحكم، لكن المجتمع هو الذي يفرق بين الرجل والمرأة، وهذا يؤكد أن المجتمع ذكوري لكن الدين ليس ذكوريا، في هذه النقطة تحديدا. الدين يحاسب الإثنين الرجل والمرأة محاسبة متساوية ولم يفرق بين الرجل والمرأة في حد الزنا والقتل، فلِم يفرق المجتمع بين الرجل والمرأة في قانون واحد؟

الفاتح ميرغني: بمناسبة البلاتوه، يقول بعض النقاد أن المخرجة إيناس الدغيدي شخصية قوية ومسيطرة، ولذلك هي اختارت مجال الإخراج السينمائي لأنه يتيح لها الفرصة لممارسة لسيطرة على الممثلين، أما إذا اختارت مجال التمثيل، فإنها لن تستطيع السيطرة على الممثلين. ما تعليقك على ذلك؟!

المخرجة إيناس الدغيدي: هذا شيء لا أنكره، أنى شخصية قيادية أحب أن أكون متميزة، فأنا لم أسع إلى التمثيل رغم قدراتي كممثلة، ولكن صفة القيادة هي التي دفعتني لأن أتجه إلى الإخراج، وهذه الصفة هبة من عند الله وليست من صنع الإنسان. فالتميّز والسيطرة والقيادة صفات أصيلة في شخصيتي منذ أن كنت صغيرة، فكنت طفلة مميزة عن أخواتي ــــ بل هم اللواتي ميزوني ـــ لأني كنت بسيطة ولذيذة وخفيفة الدم ومتحركة كما ترى... فكانت لي شخصية كنت أحاول أن أظهرها منذ صغري.

ايناس الدغيدي تتحدث إلى بان اورينت نيوز

الفاتح ميرغني: منسوب إليكِ القول: " أي ممثل يريد أن يعمل مع إيناس الدغيدي عليه أن يترك نجوميته في الباب قبل أن يدخل البلاتوه، بمعنى أن يتخلى عن نجوميته خارج البلاتوه.

المخرجة إيناس الدغيدي: هذا حقيقي .... لكننا داخل البلاتوه جميعنا متساوون، فحامل الكاميرا مثل الممثل مثل الساعي الذي يقدم القهوة، فالكل متشابه ومتساوي داخل البلاتوه فكلنا نعمل في مجال واحد لنخرج عملا ناجحا، فالفيلم السينمائي عمل جماعي وليس عمل بطل، فالبطل لن يكون عمله متميزا بمفرده بدون المخرج أو عامل الكاميرا.ومثلا إذا أنا كنت مخرجة سيئة، فسوف اقدم بطلا سيئا مهما كانت مواصفات نجوميته. نجومية الممثل تكون خارج البلاتوه، وقيادة البلاتوه للمخرج وذلك ليس تقليلا من شان النجوم لا بل لأنه يجب أن يكون هناك قائد يدير العمل.

الفاتح ميرغني: إذن أنت تتفقين مع الممثل الأمريكي الراحل مارلون براندو في قوله: " الشاشة هي مملكة الممثل والبلاتوه هو مملكة المخرج "

المخرجة إيناس الدغيدي: بالتأكيد، والمخرج السينمائي خاصة ... بمعنى أن المخرج المسرحي أقل مملكة عن المخرج السينمائي لأن الممثل عند المخرج المسرحي يعتبر جزءا من المسرح وهو يمثل فقط، لكن المخرج السينمائي يمتلك في يده كل شيء، فأنا في يدي إعلاء ممثل أو خفضه 10 درجات على ما هو عليه. وكانت هناك مقولة للسيناريست عبد الحي أديب وقد عملت معه كثيرا. كان يقول لي: " أن السيناريست يقوم بعمل الجسم، والمخرج لديه صفة من الاله ببث الروح، فان لم تستطيعي وضع وبث الروح جيدا داخل الفيلم فانت لستي مخرجة".

الفاتح ميرغني: بمناسبة السيناريو، يقال إنك دوما تصرين على فرض نفسك والمشاركة في كتابة السيناريو.

المخرجة إيناس الدغيدي: هذا بالتأكيد .... أولا: اختيار الموضوع يرجع لي، ثانيا: لا أستطيع قبول سيناريو لم أشارك في كتابته وذلك لأني أعتبر أن كتابة السيناريو يجب أن تحتوي على جزئيين من شخصية المخرج: الجزء الأول الأفكار التي أريد تقديمها من خلال الفيلم الذي اخترت له القصة،

الجزء الثاني: أثناء كتابة السيناريو أكون في دراسة مستمرة _ وكما قلت لك سابقا _ أني أقوم بإدخال العمل في ذهني للبدء في تنفيذه. فأنا إذا لم أشارك في كتابة السيناريو مع السيناريست، سأكون بعيدة عن الفكرة والموضوع بعض الشيء، ففي مرحلة كتابة السيناريو يجب أن أكون مثل التلميذ الذي يذاكر من اجل الامتحان، فمرحلة السيناريو هي مرحلة المذاكرة الخاصة بي.

الفاتح ميرغني: قرأت قبل يومين في صحيفة الوطن حوارا مع الممثل يوسف شعبان وأطلق فيه الكثير من التصريحات التي قد تكون مثيرة للجدل وصادمة، ومن التصريحات التي أطلقها انه يطلب من كل من يريد العمل بالتمثيل أن يتخلى عن ذلك ويبحث عن عمل أخر، وهو عبّر عن ندمه في عدم مواصلة دراسة (الحقوق) لأنه ترك كلية الحقوق من السنة الثالثة والتحق بالتمثيل، وقد اعتبر أن السينما تمر بأسوأ مراحلها في الوقت الراهن، ما هو رأيك في ذلك كمخرجة ؟!

المخرجة إيناس الدغيدي: هذا حقيقي. لديه الحق، فالفنان يوسف شعبان ممثل كبير وقضى عمره كله في التمثيل، واليوم اعتقد انه يحتاج إلى المال، فالممثل يعمل بعائد مادي ضعيف _ دعك من ثلاثة أو أربعة نجوم كبار نسمع عنهم _ عدا هؤلاء النجوم فالممثل اليوم لا يدّخر الكثير من المال، فدائما أمواله تُصرف على مظهره.
الممثل والمخرج في مصر ليس لديه حقوق، فبالخارج نجد المخرج والسيناريست لهم حقوق الأداء العلني يتقاضونه على تذاكر السينما، لكن للأسف في مصر لا نتقاضاه بالرغم من كونه حقا دوليا، ربما إذا تجهنا للقضاء نأخذ تلك الحقوق.
وللأسف وزارة الثقافة تضع هذه الحقوق المادية في حسابها هي وليس في حسابنا نحن كفنانين. فبالتالي إذا تقاعد الفنان عن التمثيل فلن يجد ما يكفيه لمعيشته، نحن نسمع عن الكثير من الممثلين الذين كبروا سنا فساءت حالتهم المادية بمن فيهم، على سبيل المثال، الفنانة سعاد حسني- أعظم من أنجبت السينما المصرية- وغيرها الكثير لأن هؤلاء الممثلين يعملوا باليومية، فاذا عمل اليوم تقاضى المال، وصرفه غدا وبعد غد، فلم يدخر منه شيئا، وإذا تقاعد عن العمل تسوء حالته المادية، فالممثل ليس لديه من يوفر له حماية لحياته فيما بعد، كذلك فان تصريحات الفنان يوسف شعبان نتيجة لكل هذه الأسباب. ويمكن أن يكون شاعرا بالمأساة لكونه يحتاج بالفعل إلى حياة كريمة تليق به كفنان وكانسان.

الفاتح ميرغني: هل تشجعين على ضرورة وجود مصدر مادي للممثل بديلا عن الدخل السينمائي، خاصة وأنك شاركتِ مع الفنانة يسرا في مشروع استثماري؟

المخرجة إيناس الدغيدي: أنا لن أنسى نصيحة السيدة فاتن حمامة حينما كنت اعمل مساعدة مخرج في فيلم " أفواه وأرانب" ووجدتني اُنفق ما أتقاضاه من أجر على شراء ملابس وأشياء كثيرة .... (فقالت لي يا إيناس يجب عليكِ توفير الكثير من الأموال لتؤمني حياتك في كبرك) .... فقلت لها أن أجور المخرجين ضعيفة بالمقارنة بأجور الممثلين .... (فقالت لي قومي بشراء أي ارض تُعرض عليكِ حتى لو في بلاد واق الواق، فإنها ستنفعك في يوم من الأيام، فأنا لدي أموال كثيرة بسبب هذه الأراضي)، فحينما تسال فاتن حمامة عن أجرها، تقول) نحن لم نتقاضى أموالا كثيرة، فأنا حينما تقاضيت عشرين ألف جنيها الصحافة هاجمتني).
هذه هي نصيحة الفنانة فاتن حمامة لي والتي أخذت بها فكنت اشتري أراضي وشققا، فأنا لن أنسي نصيحتها وسأظل اعمل بها.
الفاتح ميرغني: واضح جدا أنك أخذتِ بنصيحة فاتن حمامة بدليل إنك قبل فترة كنتِ في الأردن، حيث أجرى معك التلفزيون الأردني حوارا في برنامج "قهوة الصباح" وقلتِ بأن الزيارة بيزنس وليست عمل فني. ولكنك قلتِ في ذلك البرنامج ايضا أن المخرج لابد أن تأتي مرحلة في حياته يهتم فيها باكتشاف المواهب لأن المخرج إذا اكتشف نجما، وهذا النجم صعد في سماء الشهرة والإبداع والنجاح، فإن ذلك ينعكس على نفسية المخرج حيث يشعر أنه جزء من ذلك النجاح.
المخرجة إيناس الدغيدي: ليس ذلك فحسب. ولكن يوجد ارتباط شبه عضوي بين اسم النجم واسم من اكتشفه، فالذي اكتشف عمر الشريف هو يوسف شاهين، فهناك ارتباط بين الاسمين ......

الفاتح ميرغني: والذي أكتشف الممثلة يسرا هو أيضا يوسف شاهين ......

المخرجة إيناس الدغيدي: لا ... يسرا اكتشفها المصور السينمائي عبده نصر. اعتقد أن هناك فرقا بين مكتشف الموهبة وبين من شهرها فعلى سبيل المثال احمد عز سيقولون إن إيناس الدغيدي هي التي شهرته وهند صبري وفيفي عبده كانت راقصة وأنا أول من أحضرتها لتقوم بالتمثيل في فيلم (امرأة واحدة لا تكفي). مواهب أخرى اكتشفتها لكنها لم تستطع أن تعمل اسما كبيرا لنفسها بعد ذلك ولم تُكمل الطريق لأنني لست شركة كبيرة، ولو كنت كذلك لكنت عملت لهم عقود احتكار لأقدمهم أكثر من مرة مثل رمسيس نجيب، لكنني اكتشفهم واُحضرهم ليقوموا بالتمثيل في فيلم معين وبعد انتهاء العمل يوجد منهم من يستطيع أن يطور من نفسه، ومنهم من لم يستطع الوصول للنجومية.

الفاتح ميرغني: قلتِ إن الراحلة فاتن حمامة ذكرت إنها حين تقاضت أجراً مقداره عشرون ألف جنيه، هاجمتها الصحافة. فلو عادت إلى الحياة، بمعجزة ما، ووجدت ما يتقاضاه الممثلون الآن، ماذا سيكون رد فعلها في تقديرك؟

المخرجة إيناس الدغيدي: صناعة السينما الآن أصبحت تجارة. لقد عملت في بداية حياتي الفنية في أربعة أو خمسة أفلام لم أتقاضى عليهم أجرا، فلو قام المخرج بعرض أجر مادي مقابل عملي معه كنت أرفض، لأنني كنت أتدرب على يديه، وهذا فتح لي بابا بعد ذلك، وصرت مطلوبة كمساعدة ومخرجة فيما بعد، أما اليوم فالشباب يطالب بالأجر المادي قبل أن تتوفر أمامه الفرصة التي يريدها.

الفاتح ميرغني: هل يعني ذلك أن النظرة المادية طغت على النظرة الإبداعية؟
المخرجة إيناس الدغيدي: الحقيقة النظرة المادية صارت سمة أساسية في العالم، بمعنى أنها أصبحت أهم من أي اعتبارات أخرى كنا نرتضي بها منذ زمن. المادة تغلبت على القيمة.

الفاتح ميرغني: هل لذلك تأثيرا على تراجع السينما في مصر؟

المخرجة إيناس الدغيدي: لا. تراجع السينما له أسباب كثيرة في مصر بشكل خاص وفي العالم كله بشكل عام، فالسينما الأمريكية لا تعرض حالياً إلا أفلام الأكشن والضرب، فلا تجد أفلاما ذات موضوعات جميلة كما كان في الماضي، فالموضوعات الاجتماعية صارت تُعرض كمسلسلات في التلفاز الذي تشاهده وأنت في البيت فلا داعي للذهاب إلى السينما، كذلك معظم الأفلام تُسرق عن طريق الإنترنت. فلما اذهب إلى السينما ويمكنني مشاهدة الفيلم على جهاز الكمبيوتر وأنا مستريح في بيتي؟، كذلك لا يمكنني الذهاب إلى السينما لأنني لا أملك الوقت، فالمواصلات صعبة جدا .... وهكذا، الشيء الثالث. المجتمع نفسه تغير ، فنجوم الأغنية الشعبية صاروا نجوم السينما ، فبذلك الأفلام الشعبية والكوميدية صارت رقم واحد في مصر ، وبالتالي إذا قمنا بعمل فيلم ذي فكر معين وثقافة معينة ، فان مصير هذا الفيلم أنه لن يُشاهد في دور السينما ، وإن تم مشاهدته عبر الإنترنت فلن تستفيد مادياً، لأنه لا يوجد قوانين حماية على الإنترنت ، ولا تستطيع مقاضاة من يسرق هذه الأفلام، إن تسويق السينما المصرية قد تأثر بشكل كبير ، فالبلاد العربية حالياً لا تعرض أفلامك السينمائية ، كليبيا والعراق وسوريا ولبنان، والخليج لا يعرض إلا أفلاماً قليلة ، كذلك السعودية كانت تعرض أفلامك فيديو أما الآن فلا ، وبذلك فلا دخل للفيلم المصري إلا عن طريق القنوات الفضائية، ويمكن إدخال الملايين من الجنيهات عن طريق الإنترنت اذا استطعت إبرام عقود بيع ، فأسباب تراجع السينما كثيرة ومختلفة.

الفاتح ميرغني: حقق المسلسل التركي مهند ونور مشاهدات لم تتحقق حتى في موطنه تركيا، بماذا تفسرين هذه الظاهرة، وهل هي تعبير عن رومانسية مكبوتة في المجتمع العربي؟

المخرجة إيناس الدغيدي: نحن في حالة اضطراب والشعوب العربية تائهة فالرومانسية حالة يهربون من خلالها ليعيشوا زمنا غير زمنهم، وفي مجتمع غير مجتمعهم، والرمانسية لم تعد صفة هذا الزمن، والشباب والفتيات هذه الايام يضربون بعضهم بعضا. فأنا حينما أخرجت فيلم مذكرات مراهقة ، عرضت قصة الحب في العصر الفرعوني ، لأني لا أستطيع معالجة الحب في العصر الحديث ، فالحب في العصور الماضية يختلف تماما عن الحب في الزمن الحالي، فكلنا يتشوق لرؤية القصص الأسطورية الخيالية اذا جاز التعبير، الحب بالفعل صار خيالاً بالنسبة للشباب والفتيات، فالمرأة لا تشعر بالحب الذي تتخيله لأنها لا ترى زوجها الذي يعمل ليلا ونهاراً لتوفير العائد المادي اللازم للبيت والأبناء ، فلا يجد وقت للرومانسية ، حتى لو اصطحب الزوج زوجته وأبناءه إلى مكان لطيف وشاعري ، تظهر عليه علامات الضيق والمعاناة لأنه أنفق الكثير على هذه النزهة ، فمشاعر الرومانسية والحب تعيش داخلنا لكن لا نستطيع ممارستها .

الفاتح ميرغني: بمناسبة انعدام الرومانسية يُحكى على سبيل الطرفة: أنه في عيد الحب، هيأت امرأة البيت وأوقدت بعض الشموع الملونة كمفاجأة لزوجها، لكنه ما أن دخل البيت حتى أطلق صرخة ارتجت لها أرجاء المنزل عن سبب انقطاع الكهرباء ووجود هذه الشموع الملونة!!

المخرجة إيناس الدغيدي: أنا عالجت هذا المشهد بالفعل في فيلم "ما تيجي نرقص" ووضعت للزوج الورود والشموع، فحينما دخل الزوج قال لزوجته متسائلا بضيق : "هو في أيه النهار ده"؟

الفاتح ميرغني: فيلم مذكرات مراهقة يمكن ....

المخرجة إيناس الدغيدي: الفيلم هذا هو تعبير عن ضياع الحلم، ضياع المشاعر، المجتمع لم يعد يقدّر المشاعر، وحتى عندما يجد المشاعر الرومانسية، فإنه يهينها. .
( الجزء الأول – يتبع)

بان اورينت نيوز
حقوق النشر محفوظة


قالوا للفاتح