الفاتح ميرغني يكشف حوارات بين فاروق جويدة ونزار قباني تُنشرْ لأول مرة

"لا اعتقد أنه يوجد شاب في العالم العربي مثقف أو عاشق للشعر لم يَعْبُر من حديقة نزار قباني"

القاهرة 2014 - خاص إلى وكالة بان اورينت نيوز

تنفرد بان اورينت نيوز بإجراء حوار حصري مع الشاعر والكاتب المصري فاروق جويدة رئيس تحرير القسم الثقافي في صحيفة الأهرام المصرية. وننشر المقابلة على ثلاثة حلقات، وفيما يلي الحلقة الثالثة.

الفاتح ميرغني: لخصت ذات مرة في مقابلة تلفزيونية الفرق بينك وبين صديقك الراحل "نزار قباني" فيما يتعلق بالنظرة للمرأة: رأيتها مخلوقة من نور، ورآها " نزار"، في بعض الاحيان، مخلوقة من نار. فهل كان الفرق بينك وبينه في الرؤى حول المرأة فقط؟

فاروق جويدة: اولا، على المستوى الشخصي، انا من عشاق شعر "نزار قباني". ولا اعتقد أنه يوجد شاب في العالم العربي مثقف أو عاشق للشعر لم يَعْبُر من حديقة " نزار". فالجميع عبروا منها. هناك من قطفَ وردة، وهناك من اخذ بعض الثمار من شجرة، وهناك من بقي في حديقة "نزار". انا اعتقد انني قد رحلت مبكرا من حديقة " نزار". لأنني اتصور أنه رغم خصوبة تجربة " نزار"، هي لا تناسبني. انا شاب ريفي مصري، عندي قدر كبير جدا من الخجل. تربيت في ظل اسرة فيها خمس بنات، هن اخواتي، وعالِم ازهري متفتح ومستنير، ومجتمع، إلى حد ما، منفتح في الفكر منغلق في السلوك. فكل هذه الاشياء لم تعطني مساحة "نزار"، لا من الحرية ولا من الرحابة ولا من الإختلاط. انا اول إختلاط لي كان في جامعة القاهرة، حينما دخلت قسم الصحافة في كلية الآداب. هذا جانب. الجانب الثاني، أن تجربة "نزار" في مجملها تجربة انثوية. انا تجربتي انسانية، انا لا ادعي انها هي الاشمل، ولكن كان لي منظور اكبر: انه من الصعب ان نحصر تجربة البشر فقط في رجل وانثى. صحيح هما اساس الكون واساس التكوين واساس كل حاجة، لكن هناك عالم فسيح وهناك اوطان وهناك بلاد وهناك قضايا. الجانب الأكثر أن "نزار" شاعر جرئ. وانا شاعر عندي قليل من الخجل. فهذه ايضا منطقة إختلفنا فيها. انا قلت "لنزار" مرة:" كان ينقصك شيء من خجلي وكان ينقصني شيئ من جرأتك". ومرة قال لي: "انا احب ان اكون أول سطر في حياة المرأة"، فقلت له:"انا احب ان اكون آخر سطر في حياة المرأة". فقال لي: "انا احب ان اكون اول نقش في حياة المرأة". فقلت له: "أنا احب ان اكون آخر نقش في حياة المرأة". فقال لي: لماذا؟ قلت له لأن الآخير دائما يحذف ما قبله .فقال لي: "انت أشقى مني".

الفاتح ميرغني: يبدو ان العلاقة بينكما كانت حافلة بالمواقف الودودة وروح الدعابة رغم إختلاف الرؤى.

فاروق جويدة :هذا صحيح. لقد قال لي ذات مرة: انا يا سيدي لا اريد الخلود. فقلت له:" كيف ذلك؟ وهل هناك شاعر لا يريد ان تخَلد اشعاره؟" فقال لي : "انا اريد أن أخلد وانا على قيد الحياة، اريد حقي وانا لسه عايش، لأنني بعد أن اموت كيف لي أن اعرف أنني اصبحت خالدا؟". كان صديقاً جميلاً، وكان يرى نفسه مركز الكون، فهو كان طاؤوسي المزاج، وكنت احب فيه هذه الصفة لأن الشاعر الحقيقي يجب ان يرى نفسه بشيء من الفخر والإعتداد بالنفس.

الفاتح ميرغني: إذن ما هي نقاط التلاقي والاتفاق بينكما، انت ونزار، وقد كنتم اصدقاء وأحبة؟

فاروق جويدة: اتفقنا على سهولة اللغة وجماليات اللغة وعشق اللغة العربية. وانا أعتقد ان " نزار" كان عبارة عن جملة عربية رشيقة وانيقة تمشي على الارض. وانا حين اكتب نثري، فانا اكتبه بروح الشاعر، وحتى في مقالاتي الصحفية، فلم انْسَ ابدا انني شاعر.

الفاتح ميرغني: لكن هناك من يصور الأمر كما لو أن هناك تنافسا بينكما على عرش المدرسة الرومانسية؟
انا حبيت نزار الإنسان. وبعض الصحفيين يسعون لخلق نوع من الإثارة احيانا. مع اني لم اعتقد في يوم من الايام أنني كنت منافسا لـ "نزار قباني"، ولا اجرؤ أن اقول هذا الكلام، لأن "نزار" سبقني في التجربة. فأنا حينما ولدتُ كان " نزار" شاعراً كبيرا ومعروفا. لست انا الذي يسقط تاريخ " نزار" في الشعر.

الفاتح ميرغني: زار "نزار" السودان مرتين. فقد كان عاشقا له ومحبا لأهله.

فاروق جويدة: هذا صحيح. قال لي يوما: "إذا اردت ان تقرأ شعرك اذهب الى السودان وقد تأكدت بنفسى من ذلك ورأيت ان كل شئ فى السودان يحب الشعر حتى الأشجار والبيوت والطيور، وانا احب السودان كثيرا".

الصورة: عدسة الأهرام
فاروق جويدة: رئيس القسم الثقافي بصحيفة الأهرام
الفاتح ميرغني: رئيس تحرير مجلة وورلد لنكس سابقا في طوكيو

الحقوق الحصرية/ وكالة بان اورينت نيوز


قالوا للفاتح