قالوا للفاتح

الحفاظ على التقاليد يبهج الحاضر ويلهم المستقبل

بقلم سير عيسى الناعوري

عَمان – الأربعاء 16 أبريل /نيسان 2014
خاص إلى بان اورينت نيوز
كان أول ما لفت نظري عندما وصلت إلى اليابان في المرة الأولى، إضافة إلى معالم التقدم العمراني والعلمي والصناعي، الطريقة التي كان اليابانيون يحافظون بها على التراث بمختلف الطرق والوسائل وشعرت أنه مع التقدم لا يحب أن ننسى من أين أتينا، وان نجعل من ذلك دافعاً ومحفزاً للحاضر والمستقبل، فمع التقدم العلمي فإن البلدان والحضارات تواكب المسيرة العالمية المتقدمة إلى الأمام، ومع التراث فإنها تحافظ على ميزاتها الخاصة بها.

ولعل هذا لأمر هو ما يعطي لليابان وشعبها سماتهم الخاصة بهم والتي تثير الإعجاب لدى الشعوب الأخرى، وتجعلهم مثال يقتدى به.

ولقد آثار اهتمامي بشكل خاص مشاهدة الاحتفالات التي كانت تقام في ساحات معينة في كل منطقة، أو في مناطق معينة في مختلف المناسبات مثل أعياد كبار السن، أو بمناسبة الدخول في سن العشرين للشباب والفتيات وعيد الأطفال وغيرها.

فكنت ترى الأطفال والنساء والرجال يرتدون الملابس الخاصة بالمناسبات وخاصة الكيمونو الجميل، ويشاركون بالرقصات المشتركة الجميلة على أنغام الموسيقى والأغاني التقليدية الرائعة وبمشاركة الضرب على الطبول (التايكو)، إضافة لذلك فقد كانت هناك ؟؟ تقدم الطعام الياباني التقليدي الذي يجري طبخه فوراً ومع الشعور بالمتعة لكل هذه العوامل التي أشرت إلها بما تعكسه هذه الاحتفالات والمناسبات من الناس وتعكس اعتزازهم الظاهر بهذه التقاليد وحرصهم عليها.

ولعل من أجمل المناسبات بالنسبة لي كانت مناسبة عيد الكبار بالسن، فكنت ترى الجمع من الأطفال الصغار جداً بالسن وحتى المسنين يرتدون الملابس الجميلة ويتمايلون بالرقص الشعبي على أنغام الموسيقى والطبول، وكان ذلك يغرينا أحياناً أن نتمايل معهم على أنغام الموسيقى ومحاولة تقليدهم لا بل أننا قمنا بضعة مرات بالانضمام إليهم ومشاركتهم في الرقص باندفاع لا شعوري.

وعندما عدت إلى اليابان كسفير، أتيحت لي فرصة أكبر لزيارة مختلف المناطق في اليابان في بعض المناسبات العامة، أو بعض المناسبات الخاصة بمختلف المناطق ولا أزل اذكر بشكل خاص أن السيد ماتسونامي احد أعضاء مجلس النواب الياباني وجه دعوة لي ولعدد من زملائي السفراء العرب لزيارة منطقته في مدينة أوساكا لحضور إحدى المناسبات الهامة فيها والتي يطلق عليها اسم (دنجيري) أو احتفالات الحصاد، وتتضمن هذه الاحتفالات بشكل خاص عرض لعربات خاصة مصنعة من الخشب على شكل معابد صغيرة وعادة يقوم المشاركون وبملابسهم التقليدية بجر هذه العربات في ساحة مخصصة لذلك بسرعة كبيرة.

وقد قمت وزملائي السفراء العرب بالمشاركة في ارتداء الملابس التقليدية وتناول الأطعمة الخاصة بالمناسبة مع سكان المنطقة ومشاركتهم جر العربات مسافة صغيرة ولكن لم نتشارك بالسباق لجر العربات نظراً لما يحمله ذلك من خطورة بسبب جر العربات حول الساحة مسافة كبيرة.

أما العربات نفسها فهي في الواقع قطعاً متينة عليها كل منطقة كارت خاص، ولقد استمتعت وزملائي غاية الاستمتاع بهذه المشاركة الممتعة مع سكان المنطقة بهذا التقليد الجميل.

وكانت هذه المناسبات تعود بي الذاكرة إلى مرحلة الطفولة في عمان، وعلى الرغم من أنه لم تكن لدينا مناسبات واحتفالات كبيرة كالتي تجري في اليابان، إلا أنه كان لدينا مناسبات جميلة للغاية وبخاصة مناسبات الأعياد الدينية الإسلامية منها والمسيحية.

وفي تلك الأيام كان للأعياد نكهتها الخاصة إذ تبدو عادة بإعداد أنواع من الحلوى الخاصة بهذه المناسبات كالكعك والمعمول وغيرها، وفي العادة كانت نساء الحي أو الحارة كما كنا نسميها، يتفقن على تخصيص يوم معين لكل بيت وفي الموعد المحدد يحضرن لمساعدة ربة المنزل في إعداد الحلوى، وكانت العادة حينها أن يتم إعداد كمية كبيرة منها ليتم توزيعها في يوم العيد على الزوار من الجيران والأهل والأصدقاء الذين كانوا يحضرون للتهنئة بالعيد.


وكنا ونحن صغار نستمتع بأن ننضم إلى السيدات اللواتي كن يعملن على صناعة الحلوى الخاصة، وفي بعض الأحيان كنا نشاركهن في تزيين هذه الحلوى بعد اكتمال صنعها، وكان ذلك في حينه يدخل السرور إلى نفوسنا، ولا أزل أذكر على الدوام تلك الأيام الجميلة، وتجمع الجيران ذلك وتعاونهم الجميل وروح الصداقة الجميلة التي كانت تضفي على المناسبة رونقاً جميلاً وتعكس حقيقة ما يعنيه العيد من روح المحبة والصداقة.

وفي يوم العيد كان يسعدنا كأطفال عدة أمور أولها أن ترى الجموع التي تزور ويكونون أحياناً مصحوبين بأبنائهم أيضاً وثانياً أن العادة كانت أن يقوم الأقارب بإعطاء أطفال العائلة عيدية عبارة عن مبلغ صغير من النقود أو الأشياء الأخرى التي نريدها.

كذلك فقد كان يرافق الأعياد إقامة ألعاب ومراجيح في كل منطقة، كان يسعدنا كأطفال أن نذهب إليها إما مع عائلتنا أو مع الأصدقاء، وكانت المشاركة في هذه الألعاب تدخل الكثير من الفرح والسعادة ونحن نستعمل الأراجيح والألعاب، ونتشارك مع الأطفال الآخرين من أبناء المنطقة.

في تلك الأيام كانت عمان مدينة صغيرة الحجم وغير مستوية الأرجاء، كما هي الآن، وكنت تشعر حينها وكان الناس جميعاً يعرفون بعضهم بعضاً، حتى ليخيل إليك أحياناً وكأنك تستطيع أن تميز أي شخص يزور عمان من المناطق الأخرى، وكنت وأنا أسير في شوارع عمان القديمة مع والدي، وخاصة مناطق وسط عمان، أرى والدي يقوم بتحية العديدين من الناس الذين نمر بهم، منادياً إياهم على الطريقة الأردنية مرحباً أبو فلان، وكان ذلك يعطيك شعور بالدفء والسعادة لهذه الروح السائدة.

واذكر في أحد الأعياد وبعد أن حصلت على العيدية من الأقارب، وبعد أن ذهبت لساحة المراجيح لفترة قصيرة، أنني قررت أن أقوم بمغامرة جديدة، وكان على مقربة من المنزل موقعاً للباصات، فقررت أن اركب الباص إلى أخر نقطة له في خط سيره، وعندما كنت أصل إلى هذه النقطة، كنت أنزل لأخذ باصاً آخر أعود معه إلى نقطة الانطلاق، وبقيت أخذ الباصات المختلفة على هذه الشاكلة حتى نفذت نقودي فعدت إلى المنزل وكان الوقت مساءً.

وعندما وصلت إلى المنزل وجدت الأهل في حالة توتر وقلق شديدين، وسألني الوالد أين كنت فقد بحثنا عنك في كل مكان، وأصبحنا في غاية القلق، وعندما أخبرتهم بمغامرتي الصغيرة مع الباصات هذه المغامرات دون أن أعلمهم، والحقيقة أنني لم أكرر ذلك في أي وقت لاحق ولكنها بقيت في ذاكرتي كذكرى طيبة وجميلة لأيام جميلة.

وكان الوالد ينتهز هذه المناسبات أيضاً ليقوم بزيارات إلى الأهل والأصدقاء، كان أحياناً كثيرة يقوم باصطحابي في هذه الزيارات، وكنت أفرح كثيراً بهذه الزيارات للالتقاء مع هؤلاء الأصدقاء ومع أبنائهم، كما كنت أسعد بتلقي الحلوى من هؤلاء الأصدقاء، وكنت عادة أقوم بتجميع هذه الحلوى والعودة بها إلى المنزل لأشارك بها إخواني وأخواتي وأصدقائي، فرغم توفر الحلوى في المنزل فقد كان إحضار الحلوى من الزيارات كان له متعة خاصة.


وعندما أعود بالذاكرة إلى تلك الأيام فيبدو لي أن ما كنت استمتع به حينها على؟؟؟ لم تكن الحلوى أو ما أجمعه منها، ولكن في الحقيقة ما كانت تعكسه هذه المناسبات من روح المشاركة والصداقة، وبأنك جزء من عائلة أكبر يجمعها المحبة والبساطة، وروح التعاضد، وهذا بحد ذاته شعور جميل ورائع، فلم يكن هناك تكلف أو محاولة للتظاهر بغير ما تبطن.

وكما سبق وقلت، فعلى الرغم من الاختلافات بين مناسبات الاحتفالات في اليابان واحتفالات الأعياد في الأردن سابقاً، إلا أن روح المشاركة التي شعرت بها في الاحتفالات اليابانية أعادت إلي روح المشاركة التي كان تحتويها أعيادنا حينها.

ولكن، وبكل أسف، فمع التقدم والتوسع في العمران بعمان، فقدت الأعياد متعتها ورونقها، فالحلوى المصنعة في محال الحلويات أخذت وكأن مكان تلك المصنعة منزلياً، واختفت زيارات التهنئة بالأعياد وحلت محلها التهاني بالإيميل.

مناسبات إقامة احتفالات يشارك فيها على الأقل أهالي نفس المنطقة، كما يحدث في اليابان، لا بد أن نعيد روح المشاركة والتعاضد بطريقة أو بأخرى بين الناس، ونحن نفتقدها حقاً، نريد ما يعيد إحياء روح الألفة التي تشعرنا بأننا جزء من كل في وطن واحد جميل يجمعنا.

الأستاذ سمير الناعوري- سفير المملكة الأردنية الهاشمية سابقاً في اليابان


بان اورينت نيوز


رأي