وتتلاقى الحضارات ولو تباعدت المسافات

عَمان- الأحد 9 مارس 2014
بقلم سمير عيسى الناعوري

عندما نتابع أو نقرأ ما يقال ويكتب حول موضوع حوار الحضارات فإن أول ما يخطر على بالي هو السؤال لماذا لا نبدأ بالأشياء البسيطة التي تجمعنا، ونتفهم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الحضارات، فالحضارة في اعتقادي، تبدأ بكيفية معالجة كل مجتمع، مهما اختلفت الأوضاع الاجتماعية والجغرافية ، للأمور الحياتية البسيطة للناس وطريقة تكيفه معها بالطرق المناسبة.

وفي العادة فإن الإنسان قبل أن تتاح له فرصة الأسفار والتعرف على البلدان والمجتمعات الأخرى، يبدأ بالاعتقاد بأنه يعيش في عالمه الخاص به، وأن عادات وتقاليد مجتمعه هي شيء فريد خاص به وبمجتمعه. على أننا حين نزور بلداناً أخرى ونختلط بشعوب أخرى ونتعرف على طريقة معيشتها وعاداتها وتقاليدها سرعان ما نكتشف بأن هناك الكثير من التشابه بين مجتمعنا والمجتمعات الأخرى، حتى ولو اختلفت طرق هذه المجتمعات قليلاً في كيفية الحفاظ على عاداتها وتقاليدها، وطرق الاستفادة منها في التأقلم والتكيف مع متطلبات التقدم العالمي في مختلف المجالات.

خطرت هذه الفكرة على بالي أول ما خطرت عندما تم إيفادي كدبلوماسي شاب للعمل في السفارة الأردنية في اليابان في منتصف السبعينات من القرن الماضي. فعلى الرغم من بعد المسافة الجغرافية بين اليابان في أقصى شرق آسيا والأردن في أقصى غرب أسيا، ورغم الاختلافات الجغرافية بينهما، إلا أن هناك تشابهاً في طرق معالجة الأمور المعيشية، وان اختلفت الأشكال أحياناً.

عندما أتيحت لي الفرصة بعد الوصول إلى طوكيو لزيارة بعض البيوت اليابانية سواء لدى بحثي عن منزل للسكن أو زيارة بيوت بعض الأصدقاء اليابانيين لاحقاً، أعجبت جداً بما تعكسه هذه البيوت من جمال وبساطة كذلك أعجبت بما تحويه هذه البيوت من وسائل تجعل أمور المعيشة فيها أكثر سهولة رغم صغر المساحات في معظم الأحيان.

على أن الشيء الأهم الذي لفت نظري في البيوت اليابانية هو كيفية وضع فراش النوم في خزائن خاصة خلال النهار لإخراجها ليلاً لاستعمالها لغايات النوم ووضعها فوق البسط الخاصة (التاتامي). كذلك لفت نظري استخدام وسائد خاصة للجلوس عليها حول المائدة لتناول الطعام أو لتبادل الأحاديث بين أفراد العائلة أو بينهم وبين زوارهم فتصبح نفس الغرفة بالتالي تستعمل للطعام والاستقبال ثم تستخدم ليلاً للنوم.

وقد أعاد ذلك لي وبصورة جميلة ذكريات لطفولتي عندما كنا نقوم بزيارات إلى منزل جدي في قرية ناعور الجميلة على مقربة من عمان. ففي تلك الأيام كان الفراش يتم جمعه ووضعه في خزائن خاصة في الغرف، وكانت هذه الخزائن مع اختلاف التصميم قليلاً تشبه الخزائن اليابانية، ويتم إخراج الفراش ليلاً لاستعماله للنوم، مع وضع كل فراش لوحده على حصيرة خاصة. وكذلك كان يتم إخراج فرشات خاصة لاستعمالها في الجلوس لتناول الطعام أو للحديث بين أفراد العائلة أو مع زوارهم.

وفي الأمسيات، وخاصة في الربيع والصيف حيث الهواء العليل الناعم، كان جدي يقوم بطحن القهوة مع حب الهيل في المهباش لطحنه، وكان المهباش بمطرقته الخاصة الطويلة يصدر أصواتاً جميلة، وهو يصنعها في حديقة المنزل الخارجية. وكانت نغمات المهباش التي يمكن سماعها على مبعدة فيها دعوة إلى الجيران والأصدقاء وحتى عابرو السبيل للزيارة واحتساء القهوة العربية الطازجة التي كانت تغلي على المنقل الخاص بذلك، وكان ذلك كله جميلاً وممتعاً وخاصة لنا نحن الأطفال.

وبمناسبة الحديث عن القهوة العربية السادة، فبالإضافة إلى ما تعنيه دقة المهباش من دعوة، وما تعنيه من سمر جميل، فقد دخلت القهوة العربية في تقاليدنا الجميلة في الأردن، ومع اختلاف الأسلوب في تقديمها، فما زالت تلعب دوراً في عاداتنا حتى اليوم. فعندما نذهب جاهة لطلب يد فتاة من أهلها، تدور الأحاديث حول كل شيء إلا الموضوع، ولكن حينما يقوم والد العروس أو المسؤول عن الإجابة من أهلها، بتقديم القهوة يقوم رئيس الجاهة بوضع الفنجان على الطاولة ويخاطب أهل العروس حول مهمته ورغبة العريس الذي يمثله بالتشرف بطلب يد ابنته، ومصاهرة العائلة، وبعد ذلك يقول هل نحظى بالموافقة على طلبنا فنشرب القهوة؟ فإن أجاب والد العروس "اشربوا قهوتكم وما أتيتم به ابشروا به" يتم تناول القهوة، ويتم المباركة للجانبين بذلك.

وحتى عندما يحدث خلاف بين عائلتين أو عشيرتين، فإن الجاهة تقوم بالوساطة لحل المشكلة تفعل شيئاً قريباً. فعندما يتم الاتفاق على تسوية ما للخلاف، تحضر الجاهة إلى منزل أو مضارب العائلة أو العشيرة، ويتم نفس الشيء إذ لا يقوم رئيس الجاهة وأعضائها بشرب القهوة إلا إذا قال الشخص المعني من الجانب الأخر اشربوا قهوتكم، ويكون معنى ذلك قبولهم بالحل المقترح.

وقد فهمت بأن طقوس تناول الشاي الخاص في اليابان، فيها بعض التشابه مع عادات شرب القهوة في الأردن مع اختلاف الطقوس والمعاني، ففي طقوس الشاي الياباني ترحيب بالضيوف والمشاركين وتنمية لروح الألفة بينهم، كذلك يجري حل بعض الخلافات خلال احتفال الشاي وإن كان ذلك مختلفاً عن الطريقة الأردنية.

وفي هدأة الليل، كان خرير الشلال (الناعور)، والذي جاء اسم القرية ناعور منه، ولم يكن على مبعدة من منزل جدي، يشكل موسيقى جميلة وعذبة تساعد على السهاد والنوم الهنيء، وقد يكون مصحوباً بأحلام جميلة. وللأسف فهذا الشلال الآن قد توقف عن الخرير بسبب قلة المياه وأسباب أخرى، وهدأة الليل في القرية قد ذهبت بسبب توسع العمران فيها، ودخول وسائط النقل من سيارات وغيرها إلى مختلف البيوت فيها.

وكم يحزنني عندما أذهب إلى ناعور الآن فلا أسمع خرير الماء من الشلال، كما اختفت عيون المياه العديدة التي كانت توجد فيها، والتي كانت تسقي بساتينها لتنتج وبشكل خاص نوعاً من العنب الجميل اللذيذ الذي كان ينبت فيها.

وبالطبع فقد كان منزل جدي يتكون من غرفتين فقط حجمها لا بأس به، ولكنه مثل البيوت اليابانية كان كافياً لمختلف الاحتياجات. وكان خلف المنزل إسطبل غير كبير لوضع حصان فيه، وفي الأمام كان هناك مكان لوضع بعض الماعز التي كان جدي يقتنيها. وكان الراعي يأتي صباحاً لأخذ الماعز لتقوم بالرعي في المراعي الجبلية، ويعود بها مساءً إلى المنزل، وكم كان يسعدنا عند زيارتنا أن نسمع أصوات قرع الأجراس التي تعلن عن وصول الماعز، كما كان يسعدنا أن نتناول الحليب الطازج الذي كان يجري حلبه من الماعز بعد عودتها.

ولا أنسى أيضاً وجود (طابون) خاص في طرف الحديقة لإعداد الخبز وبعض الأطعمة المختلفة للعائلة وكان طعم الأكل والخبز الذي يتم تحضيره فيه رائعاً للغاية وطيباً رغم بساطته. وكان هذا الطابون بسيطاً في صناعته من الطين على جوانبه، والحصى الخاصة التي يجري تسخينها بطريقة طبيعية وباستعمال مواد طبيعية. صحيح أن الكثير من المخابز تقوم الآن بإعداد خبز الطابون، مستلهمة الطريقة القديمة، ولكن ضمن أفران عادية، وعلي أن أقول أنه رغم طيبة خبز الطابون المنتج في هذه الأفران، إلا أنه لا يقارب طعم خبز الطابون الذي كنا نتناوله في القرية ونحن أطفال.

وفي المناسبات والأعياد كانت الحلوى عبارة عن خبز طابون خاص يضاف إليه بعض من الزبدة البيضاء المنتجة من الحليب الطازج والمصنع في المنزل ويرش فوقها بعض السكر، وكان الناتج حلوى بسيطة ولكنها رائعة ولذيذة المذاق.

وقد تركت تلك الأمور من المنزل البسيط والجميل أجمل الذكريات والأثر في نفسي كطفل وبقيت رسومه عالقة في ذهني على الدوام، وقد أعادتها إلي كلها زيارتي إلى المنازل اليابانية التقليدية الجميلة.
فهناك في اليابان وهنا في الأردن نجد شعبين تباعدت بينهما المسافات واختلفت ظروفهما الطبيعية والمعيشية، ولكنهما توصلا إلى حلول بسيطة وجميلة تجعل من حياتهما ومعيشتهما أسهل وبوسائل أقل، وجدتني وأنا ابن حضارة تختلف عن الحضارة اليابانية من حيث المبدأ أجد نفس الانعكاسات من حضارتي في اليابان.

صحيح أن التقدم العلمي والتكنولوجي في مختلف أوجهه قد جعل الحياة أسهل في مناح كثيرة، ولكنه قد يكون أيضاً جعل الكثير من الأمور أصعب وأكثر تعقيداً.

ولكننا لو نظرنا إلى الأمور بطريقة أبسط وأكثر انفتاحاً لوجدنا أن ما يجمعنا كبشر هو أكثر مما يفرقنا.


الأستاذ سمير الناعوري- سفير المملكة الأردنية الهاشمية سابقاً في اليابان


رأي