كيف تابعنا حرب حزيران من طوكيو على الموجة القصيرة

مدريد- الأحد 8 يوليو 2012
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي
خاص لوكالة بان اورينت نيوز

أبذل الكثير من الجهد للحفاظ على حضوري وأنا بين أسرتي، وعندما تكون بُنَيَّتي بينهم خاصَّة مضفية على الأمسية جوًّا من المرح والحبور. غير أنَّ الشرود يغافلني من وقت لآخر فتصطادني بُنَيَّتي وأنا غارق في سرحاني المعهود. "صيدها" اليوم أسفر عن تحدُّثي عن سبل الاتِّصال بالأهل خلال ستينيَّات القرن العشرين وأنا في أقصى شرق العالم وهم في أقصى غربه.

قلت لها بأنَّ التلفون (الهاتف) في ذلك العهد كان وسيلة الاتِّصال المتاحة، وكان لا بدَّ من حجز المكالمة قبل إجرائها بوقت قد يطول أو يقصر، لنحصل عليها لدقائق قليلة بصوت متقطِّع وضعيف، ونقضي معظم وقت المكالمة بين "ألو هل تسمعني من هنا! وألو هل تسمعني من هناك!" وإذا انقطع الاتِّصال توجَّب طلب المكالمة من جديد والانتظار ساعات عديدة.

تابعت وأنا ما أزال غارقًا في شرودي: في وقت لاحق، استعنت بجهاز التسجيل سوني، كان وزنه نحو ثلاثين كيلوغرامًا لتسجيل المكالمة وإعادة سماعها لأكثر من مرَّة لنستوعب – جدتك وأنا - ما دار بيننا وبين مَن تكلَّمنا معهم من حديث لأوفِّر تكاليف مكالمات أخرى كلَّما كان هناك شوق لدى جدَّتكم لسماع صوت مَن تحبَّ خارج أيَّام الأعياد والمناسبات، ويعجز مظروف المتفرِّقات عن تغطيتها.

قاطعني بُنَيَّتي لتسأل عن مظروف المتفرِّقات هذا! ذكرت لها أنَّ من ميزة العمل في البلدان التي ترتفع فيها تكاليف المعيشة ترشيد الإنفاق والاستهلاك. ولغرض ذلك، وضعت بالتعاون مع جدَّتك ميزانيَّة النفقات الشهريَّة بتوزيع الراتب على بنود منها: إيجار السكن، الخدمات العامَّة من ماء وكهرباء وغاز وتلفون، مقاضي البيت، العلاج، الملابس، قسط السيَّارة والمحروقات، تمشيِّات نهاية الأسبوع، متفرِّقات للطوارئ. نضع مبلغ كلِّ بند في مظروف مستقلٍّ مع الحرص على عدم نقل أيِّ مبلغ من مظروف لآخر، وهذا كلُّه لضمان الصرف طوال الشهر دون طلب سلفة من صندوق السفارة قد أعجز عن تسديدها فيما بعد.
مع حرصها على الاستماع والفهم، بادرتني مستفسرة عن طبيعة "ترشيد" الإنفاق والاستهلاك! وكمن أعيته الإجابة، استعنت بجملة في التعليمات الماليَّة لوزارة الخارجيَّة تنصُّ على اقتصار الصرف على ما هو ضروري وعاجل. فلا بذخ ولا إسراف.

واستشهدت بذلك على اليابانيِّين الذين يقتصدون في مأكلهم وملبسهم، يشترون لوازم وجباتهم في أوقاتها وعلى قدر الحاجة. ففي اليابان، تسعيرة اللحوم والأسماك للمائة غرام، بينما للكيلو في بلدنا. والفاكهة يتذوَّقونها تفكُّها، بمعنًى آخر أنَّ حبَّة الفاكهة من تفَّاح وبرتقال وموز تقطَّع إلى ثماني قطع، وتقدَّم قطعة واحدة من كلِّ ثمرة للشخص الواحد للتفكُّه بها، وهو سلوك متَّبع حتَّى عند علية القوم وفي الحفلات الرسميَّة. والياباني لا يولم طعامًا يزيد على الاستهلاك المعقول للفرد، وبالتالي لا وجود لبقايا طعام ملقاة في حاوية المخلفَّات.

اكتفت بُنَيَّتي بجوابي عن تساؤلاتها، وودَّت لو تابعت الحديث عمَّا مرَّ في مخيِّلتي من ذكريات الأيَّام الخوالي! وكيف لا أستجيب لحديث ملاك يعيدني إلى أيَّام الشباب وذكريات الماضي! تابعت بأنَّ الراديو كان الوسيلة الأسرع في تتبُّع أخبار البلد وما يدور في عالمنا من أحداث لا تنال اهتمام الإعلام الياباني، وبالتالي لا تتناوله الصحافة المحلِّيَّة، ولم تكن الصحف السعوديَّة تصلنا إلاَّ مرَّة واحدة كلَّ أسبوع ضمن الحقيبة الدبلوماسيَّة.

ولأنَّ الرياح تجري بما لا تشتهي السفن أحيانًا، وحرب اليمن جرح نازف في خاصرة أمَّة العرب، وطلب مصر سحب قوَّات الطوارئ الدوليَّة من حدودها مع إسرائيل، أشعل فتيل المواجهة معها، وما تبع ذلك من حرب سريعة عام 1967، أفقدت أمَّتنا العربيَّة كامل التراب الفلسطيني وأراض عربيَّة أخرى في مصر والأردن وسورية تطلَّبت أحداثها متابعتنا لها عن طريق الراديو.

ولأنَّ ما كان معروضًا من أجهزة راديو التي تلتقط الموجة القصيرة محدودًا ومرتفع القيمة، ومع ذلك، كان لدى كلِّ دبلوماسي منَّا أكثر من جهاز راديو. كنَّا نلتقي مساء كلِّ يوم من أيَّام حزيران/ يونيه الأسود وبيد كلٍّ منَّا جهاز راديو، يوجِّه أحدنا إبرته لالتقاط إذاعة صوت العرب، وآخر لالتقاط الإذاعة البريطانيَّة باللغة العربيَّة، وثالث لهيئة الإذاعة باللغة الإنجليزيَّة. لم تكن يومها إذاعة المملكة من القوَّة ليصل صوتها إلى اليابان.

وكلَّما تضاربت الأخبار، كان يدور هرج ومرج. فأحمد سعيد من صوت العرب، يصيح بأنَّ القوَّات المصريَّة على أبواب تلِّ أبيب بعد إسقاط المئات من طائرات العدو وتدمير مدرَّعاته! والإذاعة البريطانيَّة تنقل حوارًا من القدس مع قادة من جيش الدفاع الإسرائيلي الذين وقفوا بجوار حائط البراق للتعبُّد، وشريط أخبار وكالة رويتر الذي يمرِّره جهاز التلكس المنصوب في "لوبي" هيلتون هوتيل في طوكيو، ينقل لقرَّائه بأنَّ الحرب انتهت بتدمير كامل للجيش المصري واستعادة إسرائيل ما تعتقد بأنَّه "الأرض الموعودة". أقرأ الشريط بذهول، ليطبطب على كتفي شخص لا أعرفه، يدعوني إلى التصديق بأنَّ المعركة قد انتهت وأنَّ إسرائيل قد انتصرت! وبلمسة حانية من يد بُنيَّتي، أصحو من سرحان اليوم تمامًا كما صحوت من سرحان الأمس!

ومن سرحان الأمس إلى ذهول اليوم لما نحن عليه من تقنية الاتِّصالات التي تنقل الحدث مرئيًّا ومسموعًا لحظة وقوعه، أغبط بُنيَّتي على ما تتمتَّع به من وسائل اتِّصال بالإنترنت حيث مراكز التواصل من تويتر وفيسبوك، مذكِّرًا إيَّاها بأنَّ هذا الإنجاز العلمي نعمة من نِعَم المولى، وأنَّ النعمة تكون نقمة إذا ما أُسيء استخدامها.

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


مارس. 22: سعد الخبايا


رأي