حكاية فلاس باشي والسفر برلك

بقلم محمَّد بشير علي كردي
بيرن- سويسرا-

سألتني بُنَيَّتي عمَّا يُقصدُ بِـ "السفر برلك"، وإذا ما كان في جعبتي من قصص معاناة أهالي في ذلك الزمن من الفقر والمعاناة؟
أجبتها بأنَّ السفر برلك تعبير أُطلق على "سياسة التجنيد الإجباري" التي انتهجتها الدولة العثمانيَّة خلال الحرب العالميَّة الأولى، ليجد آلاف من الشبَّان العرب أنفسهم فيها يحاربون على جبهاتٍ في حروب ليست حروبهم، وكان المُرسل إليها في حُكم المفقود، والعائد منها في حُكم المولود ممَّا تسبَّب في خلوِّ البلاد من معظم شبابها القادرين على العمل لتوفير لقمة العيش لأسرهم، فعمَّ الفقر والجوع.

من قصص المعاناة أيَّام "السفر برلك"، قصَّة سيِّدة ترمَّلت وهي في عزِّ الشباب، ولأنَّها لم تكن الزوجة الأولى، كان نصيبها ونصيب طفلها من الإرث يسيرًا جدًّا. ومن هذا القليل، كانت تصرف على رضيعها الذي فقد أباه.

قارب ما في يدها من مال على النفاد، والمجاعة تحصد الكثير من الأرواح، وما من معين لها ولطفلها إلاَّ الله، فمَن بقي من أسرتها بالقرب منها كانوا مشغولين بتدبير لقمة العيش لعائلاتهم. فالزمن الذي رأت فيه النور، كان سنوات شقِّ عصا الطاعة على السلطنة العثمانيَّة من شعوب ولاياتها في البلقان، وكان الفقر والحاجة سيِّد الموقف. وقتها اضطرُّ مَن بقي على قيد الحياة من سكَّان بلاد الشام إلى بيع ما يملكون من أثاث وعقار مقابل قليل من الزيت وأرغفة من الخبز. ومنهم من كان يفتِّش عن بقايا طعام في قمامة بيوت الأغنياء ليقتات منها وأفراد أسرته. وآخرون شاركوا الحيوانات في طعامهم، فاقتاتوا البرسيم والأعشاب التي تنمو في السهول وحول مجارى المياه.

تمرُّ الأيَّام، وينمو طفلها اليتيم، وتكثر متطلَّباته من الغذاء والكساء، فما كان من الأم إلاَّ أن نصبت تنوُّرًا خلف باب منزلها، عارضة على جيرانها عجن دقيقهم وخَبزه مقابل أرغفة قليلة، فكان لها ذلك وزيادة. فقد تجمَّع عندها في نهاية كلِّ يوم مِن الأرغفة ما كانت تستبدل بالفائض منها مواد غذائيَّة من بقَّال الحيِّ لتأمين حاجتها وطفلها. وأحيانًا نقودًا قليلة لشراء كسوة ولوازم منزليَّة ضروريَّة.

تمرُّ الأيَّام والشهور والسنوات، وهي تعمل بلا كلل، لا يخفِّف من تعبها إلا تحلُّق جاراتها حولها، وهنَّ ينتظرن حصتهنِّ من الأرغفة. وخلال انتظارهن، تتبادل معهنَّ الأحاديث والقصص. فقد أكرمها الله بحضور مشوِّق، وإلقاء جذَّاب، وحفظ للروايات والقصص والحكايات. وبهذا تحوَّل منزلها، وبالأخص الركن المجاور للتنوَّر إلى ملتقًى لقهوة الصباح وشاي العصريَّة. تأتي النسوة بالشاي والبن والسكَّر، وعليها تجهيز الماء الحار.

ويتواصل الحديث المكرَّر الذي لا نهاية له. تعجن وتقرِّص وتخبز وهي تتحدَّث مع جاراتها وزبائنها بأسلوبها المميَّز، فتعطيهنَّ متعة التخيُّل بالاستماع لقصص عن ماض كالخيال، ينسيهنَّ ما هنَّ عليه من شظف الحياة، وتتيح لأزواجهنَّ متعة الانفراد بأنفسهم والراحة من القيل والقال وشكوى الزوجات المستمر من سوء الأحوال وضيق ذات اليد.

من حكاياتها التي كثيرًا ما نالت القبول، حكاية "فلاس باشي"، شاب فقير معدم، وأخوه غنيٌّ بفُحش. يبتعد الأخ الغنيُّ عن أخيه الفقير ويتجاهله، والفقير يسعى هنا وهناك لتدبير لقمة العيش له ولأسرته، غير أنَّ التوفيق لا يحالفه. يتوسَّط له الكثير عند أخيه الغني ليساعده برأسمال يمكِّنه من كسب يسدُّ به احتياجات أسرته الضروريَّة، فيزداد بعدًا عنه.

وفجأة يختفي هذا الفقير من الحيِّ، ويطول الغياب لسنوات، وزوجته وأطفاله يعيشون على صدقات المحسنين، ويتجاهلهم الأخ الغني. وفي يوم من الأيَّام، يظهر في الحيِّ شخص تبدو عليه مظاهر النعمة والثراء، يرتدي هدمة نظيفة، وتزيِّن وجهه لحية مشذَّبه، وقد أحيط بعدد من المطبِّلين والمزمِّرين وهم ينشدون: الحمد لله على سلامة فلاس باشي إشعارًا منهم لأهل الحيِّ بأنَّ القادم المُحتفى به هو واحد من أغنى التجَّار، اختار حيَّهم على فقر سكَّانه ليسعدهم ويخفِّف من متاعبهم، فيفردون له واحدًا من أوسع منازلهم، ويتولَّى كلُّ جارٍ من سكَّان الحيِّ تأمين وجبات الطعام بالتناوب لفلاس باشي ولِمَن يقصده من المهنِّئين بسلامته، وجميعهم يمنِّي النفس بردِّ الجميل وأكثر منه حالما تصل قافلة "فلاس باشي" من بلاد الهند والسند محملَّة بالحرير والمجوهرات والتوابل، فقد حدَّث الجميع عمَّا تحمله القافلة، وعن الخير الذي سيصيب كلَّ مَن أكرمه واحتفى بمقدمه. وأبدى استعدادًا لبيع ما تحمله قافلته لِمَن يرغب من التجَّار الأغنياء. فسال لعاب الأغنياء وفي مقدمِّتهم الأخ الغني الذي تجاهل فقر أخيه، ولم يرعَ الزوجة والأولاد، ووالدهم هائم على وجهه في أرض الله الواسعة، ولا يعرف أحد إن كان حيًّا أو ميتًا.

بدأ مقرُّ إقامة فلاس باشي يزدحم يومًا بعد يوم بالزائرين والآملين بالفرج بعد الشدِّة، والمطبِّلون والمزمِّرون يواصلون من الصباح إلى المساء إنشادهم: الحمد لله على سلامة فلاس باشي. والطامعون بمزيد من الغنى يتودَّدون إلى فلاس باشي ليعقدوا معه اتِّفاقًا على شراء ما تحمله القافلة من تجارة وأصناف نادرة. كان من بين هؤلاء الأخ الغني الذي كان الأكثر حرصًا من الآخرين على الانفراد بفلاس باشي. وما أن أخبره فلاس باشي بأنَّ القافلة على مشارف المدينة، وأنَّه موافق على إتمام صفقة البيع لِمن يقدِّم نصف قيمتها مقدَّمًا حتَّى أسرع صاحبنا الغني إلى بيته وعاد محمَّلا بالليرات الذهبيَّة ودفعها لفلاس باشي، وعندها زادت فرقة المطبِّلين والمزمِّرين الإنشاد حامدة المولى على سلامة فلاس باشي.

وفي صباح اليوم التالي نهض فلاس باشي من النوم، وأجزى العطاء للمطبِّلين والمزمِّرين وللجيران الذين أكرموه، وتنكرَّ بملابس عاديَّة وقد حلق لحيته، وقصد بيته حيث زوجته وأولاده، وفي جيبه من الليرات الذهبيَّة ما يمكِّنه من بدء حياة جديدة، وقد أقسم لزوجته أنَّه سيعيد لأخيه ما أخذه منه بالخديعة، فالقافلة والتجارة وجوقة المطبِّلين والمزمِّرين كانت وسيلته للحصول على مبلغ من أخيه الغني الذي تنكَّر له. فلا قافلة هناك قادمة بتجارة من بلاد الهند والسند، ولا ما يحزنون وإنَّما هي حيلة على أخيه للحصول على مبلغ من المال يبدأ به أعمال التجارة، وسيعيده لأخيه من الأرباح التي سيجنيها.

وما أن بدأت بترديد القول المألوف "توتة توتة خلصت الحكاية" حتَّى استوقفتني بُنَيَّتي بإشارة من يدها لتقول بأنَّها شاهدت على الفضائيَّات العربيَّة سيَّدات سوريَّات وقد نصبن في عششهنَّ التي يسكنَّها التنانير لخبز أرغفة الخبز من دقيق يصلهنَّ من أهل الخير، وتوزِّعنها على المحتاجين من الجيران وهم مواطنون سوريُّون مهجَّرون، وكأنَّ التاريخ يعيد نفسه مع فارق أنَّ المُتسبِّب في معاناة السوريِّين اليوم هو حاكمهم الفرد المُتشبِّث بالحكم، وحربه على المطالبين برحيله.
وختمت بالثناء على المرأة السوريَّة التي ساهمت قدر استطاعتها في النضال من أجل الحرِّيَّة والعدالة والمساواة.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


رأي