كَلِمَةُ حَقٍّ أم جَلْدُ ذاتٍ!

بيرن- سويسرا- السبت 20 سبتمبر 2014
بقلم محمد بشير علي كردي
خاص إلى بان اورينت نيوز

أكتبُ إلى أحبَّتي مِن بيرن بِحَسْرَةٍ بعدَ وصولي بأيَّامٍ قادمًا مِن مدريد مرورًا بجنيف لزيارة ابنتي وحفيدتي التي تغمرني بالسعادة والسرور. طفلةٌ في السابعة من العمر، يُطربني حديثها باللغة العربيَّة مع العرب، والألمانيَّة السويسريَّة مع السويسرييِّن والإنجليزيَّة مع آخرينَ، ولها بداياتٌ مُشجِّعةٌ في الفرنسيَّة، وتلقى من والدتها التشجيع، ومن مدرِّستها التوجيه. مَعَ ذلكِ، لم تتقاعسْ عن حضور درس اللغةِ العربيَّة وترتيل القرآن الكريم كلَّ يوم أحدٍ في مركز تركيٍّ، يبعُدُ عن البيت أربعين كيلو مترًا. ولشدَّ ما أسعدني ثناء الشيخ الدكتور محمَّد كمال مصطفى على ترتيلها القرآن، وإتقانها مخارج الحروف.

أكتب هذه المقدِمة وفي مخيَّلتي مناهج التعليم في بلداننا العربيَّة وأماثلها بتلك التي عايشتها في بلدانٍ غربيَّة، وما توفِّره الجهات المختصَّة بالثقافة من مواد وإمكانيَّات تتيح للطالب وللقارئ التزوُّد بالمعرفة حيثما حلَّ وتنقَّل. ففي الأمس؛ يوم أحد بعد أن دخلت حفيدتي فصل الدراسة، سرت مع ابنتي في نُزهةٍ على ضفَّة النهر الذي يمرُّ بالقرية، وتنتشر عليها مقاعد خشبيَّة لاستراحةِ المُشاة.

لفت انتباهي دولابٌ يضمُّ مئاتِ الكتب ليختار الجالسون على المقاعد ما يروق لهم منها للقراءة أثناء جلوسهم، ثمَّ يعيدونها إلى مكانها في الدولاب قبل رجوعهم. وإذا لم يجدوا في الدولاب ما يودُّون مطالعته مِن كتبٍ، يتركوا في قسمٍ مُعيَّنٍ في الدولاب اسمَ الكتاب الذي يرغبون بقراءته الذي غالبًا ما يجدونه في زيارةٍ قادمةٍ. عادت بي الذاكرةُ إلى استكهولم في سبعينيَّات القرن الماضي إلى المكتباتُ المتنقَّلَةُ، (التي يُطلق عليها "كرڤان- القافلة) تضمُّ آلاف الكتب للإعارة، تُسترجَع عند عودةِ الـ "كرڤان" في أوقاتٍ مُحدَّدة كلَّ شهرٍ
سألت ابنتي إن كان في بلداننا العربيَّة مثل هذه المكتبات؟ وتساءلت؛ هل تسلم من الأذى والنهب!

قبلَ أن أستفسر عن الشقِّ الثاني من سؤالها أو تساؤلها، تابعت قائلةً، بأنَّ مُحترفي السرقة في سويسرا غالبيَّتهم ممَّن خاضوا أمواج البحر الأبيض المتوسط من شواطئه الجنوبيَة إلى الشماليَّة، مُعرِّضين أنفسهم للموت غرقًا على أمل النجاة ووضع أقدامهم على تراب أوروبا؛ طمَعًا في توفير لقمة العيش التي لا يجدونها في بلدانهم إلاَّ بشقِّ الأنفس. ولأنَّهم لا مؤهلاً للعمل لديهم، يلجأون لتوفير لقمة عيشهم بالسرقات والسطو على البيوت، وقلَّما تمضي ساعة من الزمن دون البلاغات وتحرير المحاضر عنها في أقسام الشرطة، ممَّا يثير حَنقَ السويسرييَّن وغضبهم، وقد نعمت بلدهم بالأمن والأمان وبالأمانة وحفظ حقوق الآخرين قبل ظاهرةِ اللجوء هذه.

ما سمعته من ابنتي نظريًّا، مُورسَ عليَّ عمليًّا. ومَن خاضَ التجربةَ لا يشكُّ في حدوثها، فقد كنت أحد ضحايا هؤلاِءِ. في القطار من مطار جنيڤ إلى بيرن؛ وُجهتي، سُرِقت من قسم الأمتعة في عربة القطار شنطة ملابسي وبداخلها الكثير من الأشياء الشخصيَّة. بالإضافةِ إلى الألم النفسيِّ لفقدانِ أوراقٍ خاصَّة، سبَّبت السرقة الكثيرمن الحسرةِ لحفيدتي على فقدان ما كانت تنتظره من هدايا من مدريد.
لمَّا علمتُ بوجودِ محترفين من الوافدين من بلدان عربيَّة وأفريقيَّة وغالبيَّتهم بأسماء عربيَّة وإسلاميَّة، تضاعفَ الألم في نفسي لأنَّ النتجية الحتميَّة لهذه الأعمال التي تحترفها قلَّةٌ مِن هؤلاءِ الوافدين لَمْ يألَفْها السويسريُّون من قبلُ، تنعكسُ على المجموعِ عامَّةً. ومِنَ الصعبِ إزالةُ وصمةٍ عليها إجماعُ الشعب. وما أصعَبَ أن يُواجَهُ المُغتَرِبُ بِتُهَمٍ لا يستطيعُ إنكارها أو دحضها؛ وكلاهما مرُّ، فَيَلوذُ بالصمت، فلا كلمةُ الحقِّ مسموعَةٌ، ولا جَلْدُ الذاتِ مقبولٌ.

محمَّد بشير على كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان


بان اورينت نيوز


رأي