اليابان: تجربة حياتية فريدة

بقلم د. جوزيف رامز
طوكيو- الأحد 10 أغسطس 2014
خاص إلى بان اورينت نيوز

حين وصلت الى اليابان للمرة الأولى في أغسطس 2012 للعمل كمستشار اعلامي لمصر في طوكيو، لفت نظري سمات مميزة للشعب الياباني مثل النظام والهدوء والعمل الجماعى والاحترام المتبادل.

وقد لخص لي السفير المصري في اليابان "هشام الزميتي " فى ثاني أيام وصولي مظاهر الحياة في هذا البلد بقوله " انك تعيش هنا فوق كوكب آخر مختلف عن أوروبا والولايات المتحدة " ، وخلال فترة اقامتي مع أسرتي طوال عامين تحققت بنفسي من صدق مقولة السفير، فعلى غير العادة تجد في اليابان من يخدمك باخلاص دون أن يطلب مقابل مادي نظير خدماته وقد تكون هذه الخدمة توصيل حقائبك الي الفندق الذي تقيم فيه أو اقتيادك لركوب المترو أو الـقطار أو ارشادك الي عنوان تبحث عنه. وهذه الصفة ليست موجودة في كثير من دول العالم الغربي.

أيضا يرتبط بهذا الأمر اختفاء دفع مقابل للخدمة التي يلقاها الشخص " البقشيش Tip " في الفنادق والمطاعم وهو ما يعني الحرص على خدمة العملاء بدون تفضيل لأحد على الآخر، وعدم الانشغال بالامور المالية واهمال الخدمات الاساسية التي من المفروض أن يقوم بها العاملون. أيضا لا تستطيع أن تفرق بين المدير والعامل الصغير فعندما وصلت الي الفندق الذي أقمت به مؤقتا في حي "شيبويا "بطوكيو، ساعدني مدير الفندق في حمل الحقائب فاعتقدت أنه أحد العاملين بالفندق، مقدماً بذلك نموذجاً هاماً في التفاني والأداء المثالي بالعمل .

ومن الملفت للانتباه أيضا ملاحظة مدى اعتزاز المواطن الياباني بنفسه وبشخصيته وبثقافته بدرجة كبيرة جدا ,وقد لمست مدى الود والصداقة والاحترام مع كل من تعاملت أو عملت معهم سواء في محل اقامتي أو بحكم عملي مع العديد من الصحفيين والاعلاميين اليابانيين وفي مراكز البحوث والجامعات والمؤسسات المختلفة وغيرها.

ورغم موقع اليابان الجغرافي البعيد نسبيا في الشرق الأقصى وبعدها عن مصر لأكثر من 10,000 كيلو متر واختلاف التوقيت بسبع ساعات لكنك لا تشعر فيها بغربة بل بمناخ من الصداقة الكريمة والمعاملة الطيبة تجاهك أينما كنت مما شجع زوجتي على التواصل مع المجتمع من خلال تعلم اللغة اليابانية. كما تجد كذلك الاحترام والاعجاب من جانب الشعب الياباني العاشق للحضارة المصرية وقد لمست ذلك بنفسي ابان زيارتي لمعرض آثار مقتنيات توت عنخ آمون في متحف " وينو" بطوكيو العام الماضي وهو المعرض الذي حاز بزيارة 2 مليون زائر في كل من أوساكا وطوكيو.

ولعل أكثر الاشياء تأثيرا هي سلوكيات المواطن الياباني والتي تجدها في كل مكان حتى عندما تقارن اليابان مع دول الجوار أو المنطقة عموماً، تأتى دائما في صالح اليابان, ومن رموز التحضر في بلد تكسوه الخضرة وجود ثقافة الحدائق العامة والتي تعطي درساً في الاستمتاع بالخضرة عبر جو ودي وألفة ونظام وجمال، ويتم أيضا الاحتفاء بالزهور بألوانها الزاهية التي تختلف وتتنوع باختلاف الفصول وتحظى بطقوس احتفالية لدى الشعب الياباني خاصة زهرة "الساكورا" في فصل الربيع.

ومن مظاهر التحضر لدى اليابانيين تقديس العمل، وعشق القراءة وحب الرياضة والتي تكتسب شعبية كبيرة خاصة رياضة "السومو" بطقوسها المتميزة. وقد حرصت على متابعتها خاصة بعد أن وضع اللاعب المصري "أوسانا راشي :عاصفة الصحراء "بصمة واضحة فيها .. ويحرصون أيضا على اقتناء الحيوانات الأليفة خاصة "الكلاب" ويتفنن اليابانيون في معاملاتهم والعناية بهم والاهتمام بنظافتهم وقص شعورهم واعداد ملابس خاصة لهم ومرافقتهم في الخروج للأماكن العامة.

ويحظى الاطفال برعاية خاصة وقد تأثرت كثيرا بزيارة احدى المدارس الحكومية للا طفال بطوكيو حيث لمست كيفية اعداد الاطفال وتنشأتهم ليصبحوا عماد المستقبل. كما لاحظت أن التعليم يركز على استنباط المواهب وعلى الرياضة والفنون والثقافة وعلى تعلم الفضائل والأخلاقيات العامة والسلوكيات للاطفال قبل العلوم والرياضيات. وأن يبثوا السعادة في نفوس الاطفال.

أيضا من بين الأمور الأساسية احترام الكبير ومكانته الخاصة، بجانب حرية المرأة ومكانتها الكبيرة في المجتمع، فلا تستطيع التفرقة بين الجنسين في الحياة... هذا بجانب الاحساس بالأمان والطمأنينة فى كل مكان باليابان، لدرجة أن ابنتى- عند زيارتها لنا- استمتعت برياضة المشى بحرية.

وفي الجانب المهني، لم أجد صعوبة في التعايش مع القضايا التي تخص اليابان وجيرانها الآسيويين أو في معرفة عادات وطبائع الشعب الياباني. ورغم تخصصي في الشأن الأفريقي فقد وجدت في اليابان مادة سهلة وبسيطة وكتاب مفتوح للتعلم في كافة مناحي الحياة.

ولعل كل ذلك كان سببا فى أن تحظى اليابان باحترام العالم وتقديره وأن تكون ثالث قوة اقتصادية، وأن تتفوق الشركات اليابانية على نظيرتها الغربية خاصة فى "انتاج السيارات والالكترونيات"، بجانب تميز الجامعات اليابانية وغيرها ....وأتوجه بخالص الشكر والتقدير والاحترام لكل من تعاملت معهم، راجيا دوام التقدم والرخاء لهذا الشعب الصديق الذى بدأت صداقته مع مصر منذ عام 1862 حين زارت مصر أول بعثة من "الساموراي".

الصورة: د. جوزيف رامز، المستشار الاعلامى للسفارة المصرية في طوكيو

بان اورينت نيوز


رأي