أرز اليابان وتمور مملكتنا!

مدريد- الأحد 15 يناير 2012
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي
خاص لوكالة بان اورينت نيوز

راق بُنّيَّتي وصفي عمل الدبلوماسي في جلسة سابقة بأنَّه "صوت وصورة". صوتٌ يتحدَّث لِمن يلتقيهم في البلد المضيف عن بلده حضارةً وعطاءً، وصورةٌ عمَّا يستحوذ على اهتمامه من مشاهداته في البلد المضيف ينقلها لبلده من أجل مستقبل أفضل.

سألتني مستوضحة عمَّا شاهدته في اليابان من أنشطة اجتماعيَّة أتمنَّى أن أجد مثلها في المملكة؟ لأنَّني كنت قد شاهدت الكثير وأعجبت به، حرت بأيٍّ أبدأ! وكمن يعيد شريط ذكرياته ليختار منها الأجمل، بدأت بدعوة رابطة مزارعي الأرز اليابانيِّين كلِّ عام رؤساء البعثات الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة المعتمدة في اليابان وأفراد أسرهم مرَّة في فصل الربيع لقضاء عطلة نهاية أسبوع، ومرَّة أخرى مماثلة في فصل الخريف في واحدة من القرى المشهورة بجودة منتجها من الأرز لمشاركة المزارعين في غرس شتلاته في فصل الربيع، وحصادها في فصل الخريف. وكان أن لبَّيت الدعوة في آخر سنة لي في اليابان.

تجمَّع المشاركون من الدبلوماسيِّين، وقارب عددنا المائة والخمسين في محطَّة القطارات في طوكيو يتقدَّمنا الأمير الراحل تاكامادو وأسرته متوجِّهين إلى مدينة ناجويا، ومنها انتقلنا بالحافلات إلى قرية ناغاهاما من أعمال منطقة شيغا على ضفاف بحيرة كيتا بيواكو - (واحدة من كبريات بحيرات اليابان.)

استقبلنا جمهور غفير من المزارعين، ورافقونا بقرع الطبول والرقصات الشعبيَّة من المحطَّة إلى مبنى المجلس البلدي، وفيه تناولنا وجبة الغذاء، ومن ثمَّ نُودي علينا بأسمائنا. ومع كلِّ نداء، تتقدَّم نحو المُنادى عليه أسرة يابانيَّة رافعة علم دولته لتكون الأسرة المضيفة له ومرافقيه. كان مضيفي أسرة يعمل الزوج والزوجة بالتعليم إضافة إلى عملهما بالزراعة الموسميَّة للأرز. توجَّهت معهما إلى منزلهما لأجد في انتظاري كامل أفراد الأسرة وعلى رأسهم الجدُّ الذي بدا متجاوزًا التسعين من العمر.

بعد التحيَّة وتبادل البطاقات- (عادة متَّبعة حتَّى بين اليابانيِّين أنفسهم)، وتناول الشاي الأخضر الياباني، أرشدوني إلى الغرفة المخصَّصة لمبيتي. وجدت فيها كومينو ياباني ولوحة عليها لفظة الجلالة (الله) في زاوية من الغرفة تحدِّد اتِّجاه مكَّة المكرَّمة لأداء الصلاة. تساءلوا عن إمكانيَّة أدائي الصلاة وما يسبقها من وضوء بحضورهم! لبَّيت رغبتهم.

شارك أفراد العائلة بإعداد وجبة العشاء، ودار بيننا حديث على المائدة، ركَّز فيه كبير العائلة على قاسم مشترك بينهم وبيننا وهو ربط النبل بالفروسيَّة. وأطلعني على مقتنيات الأسرة من السيوف مع لمحة عن صانعيها ومَن اقتناها من أجدادهم. وأطلعني على لفافة شجرة العائلة، بدءًا من جدِّهم الأوَّل الساموراي الذي عُرف بشجاعته وحُسن تعامله مع السيف.

وقدَّمت لهم ما حملته معي من دار السفارة من كتب عن تاريخ بلدي والتراث والعادات والتقاليد مع هديَّة تذكاريَّة. أكَّدت في حديثي عن قناعتي بما قاله كبير العائلة عن القواسم المشتركة بيننا وبينهم، ولا غرابة في ذلك، فكلانا ينتمي إلى البيت الآسيوي الكبير. هم في أقصى شرق البيت ونحن في أقصى غربه. وإذا ما قدِّر لليد الواحدة أن تُشدَّ بحبٍّ على اليد الأخرى، فالخير سيعمُّ سكَّان هذا البيت الآسيوي الكبير كافَّة.

في صبيحة اليوم التالي، وقبيل شروق الشمس، تناولنا وجبة الصباح المكوَّنة من شوربة حبوب الصويا والأرز المسلوق مع قطعة من السمك المشوي، وتوجَّهنا معًا إلى الموقع المخصَّص لزرع شتلات الأرز. هناك كانت المفاجأة، أكشاك بعدد الدول المشاركة، على كلٍّ منها علم الدولة، وملابس وجزمات مطَّاطيَّة خاصَّة بالضيف ومرافقيه، وطالبان من مدرسة ابتدائية أجادا ترديد بعض جُمل المساعدة باللغة الإنجليزيَّة لتعريفنا بما هو مطلوب من كلٍّ منَّا. وما أن أُعلن عن بدء العمل، حتَّى باشرنا، يتقدَّمنا الأمير الياباني وأفراد عائلته في غرس الشتلات في المربَّع المُخصَّص لكلِّ دولة.

عدنا في فصل الخريف إلى الموقع ذاته، لنُستقبل بالحفاوة والكرم السابقين، ولنبدأ بحصاد ما غرسنا. قبل أن نغادر المكان، طُلب من كلِّ مشارك أن يغرس شجرة تحمل اسم بلده دليلاً على رابطة التربة في سبيل لقمة أفضل للجميع.

مع غرسي الشجرة، وتعامل يدي مع التراب، شعرتُ برابطة القربى بيني وبين تراب اليابان. وراودني تساؤل عمَّا إذا كانت النخلة تستحقُّ منَّا العناية والاهتمام اللذين يبذله اليابانيُّون للأرز، فكلا المحصولين أساس في معيشة بلدينا واقتصادهما!

تساءلت بُنيَّي مُتردِّدة، لِمَ لا تستضيف مزارعنا في رحلات تعارف عددًا من ممثِّلي الدول الصديقة في مواسم جني محصول التمور في المملكة!

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير المملكة العربية السعودية
سابقاً في اليابان


بان اورينت نيوز


فنون وثقافة