قالوا للفاتح

الأمير الراحل تاكامادو: وجه من اليابان أعطى الأمارة حقها

الرياض- الإثنين 5 ديسمبر 2011
بقلم الاديب محمد بشير علي كردي
حصرياً لوكالة بان اورينت نيوز

أسرَّتْ لي بُنَيَّتي بأنَّها بين الفينة والأخرى يعاودها الفضول لإلقاء نظرة على مسوَّدة "السيرة الذاتيَّة" التي أعدِّها للنشر. وفاتحتني ذات صباح مستفسرة بأنَّ أنشطة إمبراطور اليابان والأسرة الإمبراطوريَّة، كما جاء في "السيرة" كانت محدودة جدًّا، على عكس أنشطة الأمير الراحل تاكامادو الأكثر ظهورًا في المناسبات العامَّة، وزياراته المتعدِّدة لدار السفارة في طوكيو تخصيصًا.

أجبتُها بأنَّ دور الإمبراطور، كما نصَّ عليه دستور اليابان الذي وضع بعد استسلامها للحلفاء، هو رمزيٌّ تجتمع الأمَّة حوله، وينحصر نشاطه في مهام رتيبة، كافتتاح دورات مجلسي الشيوخ والنوَّاب، واستقبال كبار زوَّار اليابان من ملوك ورؤساء ووزراء ومن يماثلهم في المكانة الاجتماعيَّة، واعتماد سفراء اليابان المعيِّنين في الخارج، واستقبال السفراء ليستلم أوراق اعتمادهم، ومن بعد إقامة حفل لهم عند انتهاء مهامهم، وفي إقامة حفلات موسميَّة في كبرى الحدائق الإمبراطوريَّة، واستقبال كبار الشخصيَّات المحليَّة والأجنبيَّة وهم يقدِّمون لجلالته التهنئة بعيد ميلاده.

ومعروف عن العائلة الإمبراطوريَّة انشغال أفرادها بالأبحاث العلميَّة، ويكاد الأمير الراحل تاكامادو وحرمه ينفردان بإجادة العديد من اللغات الأجنبيَّة وهواية الرياضة والموسيقى والفنون الجميلة والسفر. وهما على إطِّلاع واسع على ما يجري في العالم من أحداث سياسيَّة وتقلُّبات اجتماعيَّة. ولهذا، نجدهما يمثِّلان العائلة الإمبراطوريَّة في حضور المناسبات العامَّة اليابانيَّة منها وغير اليابانيَّة وإلقاء المحاضرات.

وأذكر في هذا المجال حادثة كان سموَّه قد لبَّى دعوة من إحدى المؤسَّسات اليابانيَّة وألقى المحاضرة التي طُلبت منه، تناول - وفق العادة المتَّبعة- مظروفًا وضعه في جيبه دون أن يفتحه ويرى ما بداخله. ويبدو أنَّه نسي أمره، فرجته إدارة القصر الإمبراطوري الماليَّة بعد يومٍ تسلُّمها ما بداخل المظروف. اعتذر الأمير، وأحضر المظروف الذي لم يكن قد اطَّلع عليه بعد، وفتحه بحضورهم ليجد بداخله ما يعادل ألفي دولار أمريكي. سلَّمهم المظروف معتذرًا عن السهو. فقد كان عليه أن يتبرَّع بالمبلغ لأنشطة تلك المؤسَّسة الخيريَّة وفق المتَّبع مع غالبيَّة المحاضرين المميَّزين. وبرَّرت إدارة القصر الماليَّة تصرُّفها بأنَّ أفراد العائلة الإمبراطوريَّة ليسوا بحاجة إلى المال، فكلُّ احتياجاتهم المعيشيَّة مؤمَّنة من الإدارة الماليَّة في القصر الإمبراطوري.

كان لسفارة خادم الحرمين الشريفين في طوكيو نصيب وافر من حضور سموِّه وزوجته حفلاتها الرسميَّة والخاصَّة، إضافة إلى مناسبات المعهد الإسلامي في طوكيو الملحق بجامعة الإمام محمَّد بن سعود في الرياض منذ أن باشر نشاطه الثقافي. وأذكر مشاركة سموِّه في حفل الافتتاح، وإعجابه بأنشطة المعهد الثقافيَّة. يومذاك، تعرَّف إلى شاب من أبناء بلدنا الذين كانوا ينهلون العلم في اليابان، مجيد لنظم الشعر وإلقائه باللغتين العربيَّة واليابانيَّة. ألقى الشاب قصيدة ترحيب باللغة العربيَّة، أتبعها بقصيدة باللغة اليابانيَّة، فكان موضع إعجاب وتقدير من الجميع، ومن سمِّو الأمير خاصَّة الذي تنبَّأ له بمستقبل واعد. وصحَّت توقُّعات الأمير. فالشاب اليوم هو الملحق التعليمي للمملكة في اليابان، يشرف على مئات المبتعثين والمبتعثات موفِّرًا لهم سبل تحصيل العلم والمعرفة في أرقى الجامعات وفي مختلف التخصُّصات.

ولمعرفة سموُّه بقادة بلدنا وكبار شخصياَّتها التي زارت اليابان، فقد تلقَّى عدَّة دعوات رسميَّة لزيارة المملكة، حرصتُ على أن تتمَّ وأنا على رأس عملي في طوكيو. حال دون ذلك، استنفاد سموِّه حصَّته من الزيارات الرسميَّة التي توجَّه لأفراد العائلة الإمبراطوريَّة، حسب تعليل مراسم القصر الإمبراطوري.

سألتْ بُنَيَّتي عن آخر لقاء جمعني بسموِّه قبل مغادرتي اليابان! أجبتها، كان حفل عشاء مختصر أقمته على شرف سموِّه وحرمه في مثل هذا الأسبوع من هذا الشهر من عام 2001 دعوت إليه من اختارهم سموُّه من أصدقائه اليابانيِّين والدبلوماسيِّين الأجانب. قدَّمت فيه عازفة الكوتو الأولى في اليابان السيِّدة ayane مقطوعات عربيَّة ويابانيَّة متداخلة، أتبعتها برقصات يابانيَّة تقليديَّة. وكان سموُّه قد سمع عن تردُّدها على دار السفارة في أمسيات اليوم المفتوح في آخر يوم جمعة من كلِّ شهر الذي يحضره أصدقاء المملكة من رسميِّين وإعلاميِّين وفنَّانين ورجال أعمال ودبلوماسيِّين. وعتب لعدم دعوته على الأقلِّ لواحدة من تلك الأمسيات التي شاركت فيها عازفة الكوتو.

كانت تلك الأمسية خاصَّة ومختصرة، وقد رأيته ليلتها في غاية السعادة والسرور. وكان يطلب المزيد من سماع أداء الفنَّانين العرب واليابانيِّين الذين اكتشفت مواهبهم أمسية اليوم المفتوح. على أغلب الظنِّ أنَّ تلك الحفلة الفنيَّة المختصرة، كانت آخر حفلة فنيَّة في دار سفارة أجنبيَّة حضرها سموَّه. فقد وافته المنيَّة بعدها بشهور قليلة، وهو يمارس لعبته المفضَّلة الإسكواش في ملعب السفارة الكنديَّة القريب من مقرِّ إقامته داخل مجمَّع إقامة الأمراء.

لقد تشرَّفتُ بزيارة مقرِّ سكنه عدَّة مرات. كان سكنًا صغيرًا ومتواضعًا، غير أنَّه غاية في الأناقة والذوق.
ألقت بُنيَّتي رأسها على صدري لتخفي دمعة حزن، وهي تردِّد عبارات الترحُّم على سموِّه.

محمَّد بشير علي كردي: أديب، وسفير سابق للمملكة العربية السعودية في اليابان

بان اورينت نيوز


فنون وثقافة