نقاوة الخُلُقِ أم ``نقاوة الدم``! شجرة العائلة في شرقي وغربي آسيا

مدريد- الأحد 20 نوفمبر 2011
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي- خاص لوكالة بان اورينت نيوز

الحديث بيني وبين بُنَيَّتي عن تناقص عدد سكَّان اليابان نتيجة تدنِّي عدد أفراد العائلة اليابانيَّة، والتباين السلبي في عدد المواليد والوفيَّات، وذكرنا عند سرد الأسباب، حرص اليابانيِّين على نقاوة دمهم وعدم اختلاطه بدم الأعراق الأخرى، دفع بُنَيَّتي لتتبُّع أوجه الشبه في العادات والتقاليد بين شعبين آسيويَّين عريقين تحتضنهما القارَّة الآسيويَّة، الشعب الياباني شرقًا والشعب السعودي غربًا، ويتميَّزان من بقيَّة شعوب قارتنا الآسيويَّة "أمِّ الحضارات".

حَرَصتْ بُنَيَّتي على إطلاق صفة الشعبين، وليس الأمَّتين على أهل البلدين لقناعتها بأنَّ عالم اليوم وما أنجزه علماؤه من تقدُّم مضَّطرد في تقنية التواصل والاتِّصال خلال العقود الأخيرة قد حوَّل العالم إلى أمَّة واحدة بشعوب متعدِّدة.

لأنَّ بُنيَّتي عرفت بما حلَّ بالكوريات اللاتي تزوَّجن من يابانيِّين إبَّان الاحتلال اليابان كوريا، فبعد رحيلهنَّ مع أزواجهنَّ وأطفالهنَّ إلى جزر اليابان إثر انتهاء الحرب العالميَّة الثانية، ما يزلن ومَن أنجبن من أبناء وبنات في نظر القانون أجانب، ضربت بُنَيَّتي مثلاً على أوجه التشابه بين الشعبين بصديقتها نورا. ولأنَّ لوالديها مكانة اجتماعيَّة مرموقة حسبُا ونسبًا، لكونهما ينحدران من فخذِ واحدةٍ من أعرق قبائل جزيرتنا العربيَّة، لم تتمكَّن نورا من الزواج من شاب يبادلها الحبَّ والإعجاب، لأنَّ شجرة عائلته، ليست كعراقة عائلتها! ولم يشفع له تحصيله العلمي ولا مركزه الاجتماعي وسيرته وسلوكه من الحصول على موافقة جدِّها ووالدها مع أنَّهما يكنَّان له كلَّ التقدير.

ولقصَّة نورا شبهٌ بالعديد من قصص القلوب المجروحة بسبب حرص القبليِّين على "نقاوة الدم" مع أنَّهم يؤدُّون شعائر عقيدتهم، ويتلون قرآنهم، وفيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ﴾ ، ويقرِّون بما صحَّ عن رسولنا محمِّد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام قوله: "لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَقْوَى"، وتوجيهه الكريم: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَانْكِحُوْهُ، ألاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ."

وعمَّا إذا كنت قد لمست تمييزًا طبقيًّا في اليابان، تساءلت بُنَيَّتي، وكيف يتمُّ عندهم تواصل الشباب والشابات لغرض الزواج دون الاصطدام بالفارق الطبقي، وقد عرفت ما لأحفاد "الشوجن" و "الساموراي" من مكانة اجتماعيَّة مرموقة!

أجبتُ بأن التمييز الطبقي ملحوظ من تباين درجة الانحناء عند مشاهدة يابانيِّين يحيي أحدهم الآخر. أمَّا عن التعارف لغرض الزواج، فهناك مكاتب مختصَّة بجمع معلومات الحسب والنسب والسيرة والسلوك. ففي كلِّ حيٍّ مكتب يؤمَّه الراغبون في الزواج من الجنسين بمواصفات مرغوبة لشريك العمر المُنتظر، للتعرُّف إلى مَن قد يوافقهم حسبًا ونسبًا. يقابل هذه المكاتب عندنا الخطَّابات اللاتي يحصين كلَّ شاردة وواردة عن شباب الحيِّ وبناته، وهذا وجه تشابه آخر.

لا ريب أنَّ ابتسامة حييَّة ظهرت على وجهي وأنا أحدِّثها عن طرق التعارف بين الشباب في اليابان، فسألت عمَّا أخفيه عنها، وأداريه بتلك الابتسامة؟ أجبت: إنَّك لمَّاحة، لا تخفى عليك شاردة ولا واردة. اليابانيُّون خجولون للغاية، ويتحاشَون النظر في وجه مَن يتحدَّثون إليه. ولهذا، تفتَّقت العبقريَّة اليابانيَّة عن اختراع جهاز يخزِّن فيه الراغب في التعارف كلَّ ما يتمنَّاه في النصف الآخر من مواصفات خُلقيَّة وخَلقيَّة، ويمضي حامل مثل هذا الجهاز من الجنسين إلى أماكن تجمُّع الشباب في أيَّام العطل والمناسبات وقد وضعه في حالة الاستعداد للتنبيه بصوت مسموعٍ ملفت للنظر. فإذا ما تصادف لقاء أحدهما مَن لديه تلك المواصفات، أطلق الجهازان رنينًا مميَّزًا، فتلتقي العيون، وتكون نظرة فابتسامة فسلام فلقاء.

راقت تقنية الجهاز بُنَيَّتي، واستغربت عدم وصوله إلى أسواقنا! ربَّما لاستعارة شبابنا قناع الحياء والخجل الذي يميِّز اليابانيِّين من سواهم من الشعوب.

محمد بشير علي كردي أديب وسفير سابق للمملكة العربية السعودية في اليابان

بان اورينت نيوز


فنون وثقافة