قالوا للفاتح

دراسة استكشافية باللغة اليابانية لمخيمات تندوف من الداخل

طوكيو- الخميس 7 يناير 2015 / بان اورينت نيوز/

صدر في طوكيو كتاب " ما وراء الستار: دراسة استكشافية لمخيمات تندوف من الداخل" عن دار النشر نيبون هيورن، والذي شارك في إعداده فريق من الباحثين اليابانيين والمغاربة، يغطون قطاعات معرفية متنوعة بتنوع فصول الكتاب تشمل القانون الدولي والإنساني (عبد الحميد الوالي و ماتسوموتو شوجي)، وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا ( كي ناكاغاوا و خالد الشكراوي)، والعلاقات الدولية ( رشيد الحديكي و عادل الموسوي)، و إدارة الأزمات (المصظفى الرزرازي)، و علم النفس (عبد السلام الداشمي و زينب الوزاني الشهدي).

واستعرض الدكتور الرزرازي في مؤتمر صحفي يوم الخميس في طوكيو فصول الكتاب الثمانية بالتركيز على الوضع القانوني للاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف الواقعة في دولة الجزائر، وموقف القانون الدولي من المساعدات الدولية الموجهة لسكان المخيمات، ثم التطور العام الذي تشهده حركة البوليساريو الانفصالية سواء على مستوى بناء إيديولوجيتها، أو على مستوى هيكلتها التنظيمية "المتسمة ببعد قبلي واضح" على حد تعبيره.

وفي الشق الجيوستراتيجي والأمني، تتناول الدراسة في مستوى أول مختلف التقارير و الوقائع التي تنسب لأعضاء جبهة البوليساريو "وتورطهم في ربط علاقات مع تنظيمات إرهابية محسوبة على تنظيم القاعدة" حسبما ورد في الكتاب، ثم في مستوى ثاني تتناول الدراسة الموقع الجيوستراتيجي الحساس لمخيمات تندوف كنقطة تقاطع مؤثرة على "تشويش" علاقات التعاون الأمني بين دول المنطقة. أما الفصل الأخير من الدراسة فقدد خصص لدراسة ميدانية عن الصحراويين العائدين للمغرب.

وخصص الفصل الأول لفحص الوضع القانوني لوضعية اللاجئين في تلك المخيمات، مسائلا في ذلك الأنظمة و المعايير القانونية التي تضعها المفوضية الدولية للاجئين لتحديد هوية اللاجئ، حيث تقف الدراسة على مفارقة الوضع في مخيمات تندوف، "التي يحاول البوليساريو تقديمها ككتلة بشرية ضحية، بينما يتم ممارسة عملية ضبط قسري لحرية التنقل داخل المخيمات وفق منظومة شبه عسكرية يحد فيها البوليساريو من حريات الصحراويين الذين يعيشون داخلها" حسب الكاتب. ويرى أن هذا هو الواقع الذين تكشف عنه الدراسة بعرض تجارب الصحراويين الذين تم نقلهم "بالقوة" من بلدهم الأصلي، "ثم وضعهم في مخيمات عسكرية في بلد الاستقبال".

وتستنج الدراسة أن اللاجئين الصحراويين "لايتمتعون بحقوقهم الأكثر إنسانية باعتبارهم لاجئين، خاصة حرية التعبير والتجمع والتنقل، وحرية اللاجئ في أن يبقى على تواصل مباشر مع ممثل عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أو مع ممثلي المنظمات الأجنبية غير الحكومية بدون تواجد عناصر البوليساريو". كما تقف الدراسة على تشخيص حالات تصفها بتعرض اللاجئين الصحراويين "للابتزاز والتخويف" ، بمايشمل "فصل العائلات، والتجنيد القسري للشباب وحتى الأطفال في الجيش ، والعمل القسري والاستغلال الجنسي للأطفال الذين يتم إرسالهم لكوبا".

ومن أوجه هذه "المعاناة" أيضا، حسب الدراسة، "منع الصحراويين من مغادرة المخيمات، فضلا عن الاحتفاظ بالقوة بأي فرد من أي أسرة في المخيمات، إذا قرر التوجه إلى الصحراء في إطار عملية تبادل الزيارات المنظمة من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وغيرها من الممارسات".

ويشير الفصل الأول كذلك إلى "منع اللاجئين الصحراويين من الاستفادة من مساعدات مصدرها المجموعة الدولية، حيث تستأثر بمعظمها قوات البوليساريو". وتذكر الدراسة إلى أن الدولة المضيفة لم تنفذ بعد عملية إحصاء اللاجئين المتواجدين على أراضيها.

كما لايستثني الكاتب "مسؤولية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في تفاقم هذا الوضع. انطلاقا من مسلمة أن المفوضية أنشئت من ضمان الحماية للاجئين أينما وجدوا في مختلف أرجاء العالم، مما يفرض عليها تحمل مسؤولياتها بضمان الدولة المضيفة الجزائر أن تطبق القواعد المعمول بها، ولاسيما تلك التي تقتضي القيام بمراقبة مباشرة من طرف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بنفسها على مخيمات تندوف، وإبعاد كل شخص لا تتوفر فيه صفة لاجئ عن المخيمات، والولوج بكل حرية وبدون عراقيل للاجئين".

و يركز الفصل الثاني على حكم القانون الدولي فيما أوردته تقارير رسمية و شبه رسمية عن وجود مخالفات وتحويلات وعلى اعتبار البوليساريو منظمة ذاتية لا تملك أي مقومات في عرف القانون الدولي، وتوصي بالنظر في مسؤولية الدولة المضيفة وترشيد ومراجعة للمساعدات الموجهة لسكان المخيمات.

في جزء أخر من فصول هذا الكتاب، يتحرى الباحثون تقارير رسمية واستخباراتية وغيرها تتهم باحتمالات وجود تقاطعات بين مقاتلي جبهة البوليساريو و الجماعات الإرهابية النشطة على الشريط الممتد من منطقة فزان (في الجنوب الغربي من ليبيا) إلى الساحل. لكن الدراسة، تعتبر شهادات بعض قادة القاعدة أنفسهم باستقطاب القاعدة لمقاتلي جبهة البوليساريو، يستحق التعامل مع هذه المعطيات تعاملاً جدياً ليس على مستوى التشهير الإعلامي، وإنما على المستوى الاستراتيجي والدولي المتعلق بمكافحة الإرهاب، و تجفيف منابعه.

إذ تكشف الدراسة لأول مرة عن مقالة للجهادي المدعو أبي سعد العاملي "قاعدة بلاد المغرب الإسلامي - حقائق الواقع ووعود المستقبل-" الصادرة عن مؤسسة المأسدة الإعلامية ( الجهادية) ، والتي يقر فيها المنظرالجهادي كيف "كان للحركة الإسلامية في مخيمات اللاجئين دور بارز في إحداث نقلة في أفكار العديد من المقاتلين الصحراويين الشباب وعقائدهم ووعيهم السياسي" ، ليعتبرها " جبهة جديدة ونقطة قوة أخرى تضاف إلى جيوب المجاهدين، لاشك أنها ستعزز صفوف القاعدة وستلعب دوراً مهماً في المنطقة من أجل تحرير الأراضي الإسلامية وتنصيب مواقع أقدام للمجاهدين تكون بمثابة النواة الأولى لدولة الخلافة القادمة."

وتستفيض الدراسة في تحليل السياقات العامة التي تحدث فيها العاملي عما وصفه باختراقات القاعدة لمخيمات تندوف، ضمن خطة محكمة لتحويلها لبؤرة خلافة إسلامية. ولتمثل خطورة هذا القيادي في تنظيم القاعدة، تشرح الدراسة كيف أن العاملي يعتبر واحدا من أنشط المنظرين للحركات الجهادية لفترة ما بعد مقتل أسامة بن لادن، علاوة على دوره التحريضي-التوجيهي لفترة ما بعد "الربيع العربي" ، بل واعتباره من أوائل أعضاء القاعدة الحركيين الذين مهدوا للرحيل من القاعدة نحو تنظيم الدولة الإسلامية. وقد كتب "أضواء وبيانات شرعية حول الثورتين الليبية والسورية" ،و "تحذيرات ونصائح أمين لأهل السنة في البحرين" ، و "دور الأنصار والمجاهدين في ثبات دولة العراق الإسلامية وبقائها" ، ليخلص إلى الحديث علنا عن ولائه ودعمه لمشروع البغدادي كما يشير كتابه الجديد "في سبيل ثبات الدولة الإسلامية وبقائها".

وتخلص الدراسة إلى أن المعطيات التي جاء بها العاملي عن اختراق مخيمات تندوف تتقاطع مع تحليلات واستنتاجات وتحذيرات سبق أن نشرتها مراكز علمية ووكالات استخباراتية عالمية بما في ذلك تقرير وكالة استخبارات الأمن العام اليابانية التابعة لوزارة العدل خلال أعوام 2011، و 2013، ثم 2014 الذي يضع تندوف ضمن المناطق غير الآمنة والخطرة بعد عدد من الاختطافات التي حدثت هناك خاصة اختطاف عاملين أجانب في منظمات إنسانية .

وتعود الدراسة إلى عرض تطورات تاريخ ماوصفته بالعنف السياسي الذي كانت تنتهجه البوليساريو منذ السبعينيات حيث سبق لها أن اختطفت عددا من البحارة الإسبان وقتل فرنسيين اثنين واختطاف ستة أخرين عام 1977. ثم بعد حوالي عشر سنوات (1988) تكرر الجبهة أعمال العنف بإسقاط طائرة أمريكية وأخرى كندية أسفرت عن مقتل العديد من الركاب، لتعتذر الجبهة فيما بعد على اعتبار الطائرتين كانت هدفا بالخطأ. وهو نفس ما قد انتبه إليه الباحث الاستراتيجي الأمريكي أنتوني كوردسمان عام 2005 بدوره بتوصيف ميول البوليساريو المتطرفة، الموسومة بتبني العنف كآلية للتدبير السياسي، مصنفا الجبهة كواحدة من أبرز الحركات المتطرفة المؤمنة بالعنف. و تتابع الدراسة إلى أنه بعد مرور حوالي عقدين من الزمن على هذه الوقائع، و دخول الجبهة في مفاوضات من أجل حل للنزاع مع المغرب تحت إشراف الأمم المتحدة، تلجأ الجبهة إلى عقيدة العنف كلما ضاقت بها القنوات الدبلوماسية لتهدد بالعودة السلاح و العنف.

وتلي هذه الدراسة، ورقة بحثية أخرى تستعرض الأبعاد الجيوستراتيجية والأمنية لهذا الواقع الأمني "المتردي داخل حول المخيمات وحولها بما يؤثر سلبا على كل جهود الاستقرار الإقليمي التي تقوم بها دول المغرب العربي والساحل، مذكراً بأن من أخطر الاثار الجانبية لهذ التوتر هو انهيار التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب و الجريمة المنظمة بين دول المنطقة.

والكتاب لا ينحصر على تحليل المنحى الأمني الخالص، بل يستعير مفهوم الأمن البشري لفحص شروط الاستقرار والأمن الداخلي داخل المخيمات، كاشفا عما يصفه بالحالة المتردية لسكان المخيمات، والمعاناة الشديدة التي يعيش على إيقاعها صحراويو المخيمات.

وفي شق تاريخي أنثروبولوجي، يتناول الكتاب أيضا آليات بناء إيديولوجية التأصيل الذي نهجه منظرو الجبهة من أجل بناء تاريخ وذاكرة مستقلتين لها، "وكيف استعار هؤلاء كثير من الوهم و التخيل والتأويل التعسفي للتاريخ لعل ذلك يسعفهم في بناء رواية للتاريخ خاصة مشروعهم الانفصالي".

"لكن القبلية تعلو مهما حاولت الجبهة إخفائها ، لتكون إحدى أعمدة التدبير الداخلي لشئون توزيع الأدوار و السلطة داخل دواليب الجبهة"، هذا ما تخلص إليه الدراسة بتحليل التركيب القبلي لمختلف المناصب والمهام التي "اختلقتها الجبهة من أجل تشديد قبضة تحكمها على المخيمات، و السيطرة على الموارد المادية و الرمزية".

وفي ختام الكتاب، خص الباحثون فصلا موسعا لعرض نتائج دراسة ميدانية تعتبر الأولى من نوعها، وتم إنجازها خلال الفترة مابين 2010– 2015 على عينة تمثيلية تتكون من 74 عائد. وشملت الدراسة عدة محاور أساسية، تتعلق بدراسة نماذج إنسانية من المجتمع الصحراوي للعائدين، لترصد من جهة ماتصفه "حجم المعاناة النفسية التي رسختها إيديولوجية تغدية الكراهية داخل المناهج الدراسية التي اعتمدها البوليساريو في بناء تنشئة اجتماعية مشوهة لأطفال المخيمات"، كما رصدت الدراسة، بالاعتماد على عدد من الاختبارات النفسية والاستمارات وجود حالات "صدمية عنيفة يحملها أطفال كوبا – الأطفال الذين تم ترحيلهم نحو كوبا قسرا بهدف دراسة المذهبية الماركسية الشيوعية- و كذا وجود اختلالات في البناء الرمزي لمفهوم الفضاء المادي و الاجتماعي".

الدراسة تناولت أيضا في جلسات استماع متخصصة حالات صادمة لنساء صحراويات "تعكس شراسة العنف الرمزي، والمادي الذي مارسته الألة الإيديولوجية للبوليساريو تحت مبررات كثيرة".

وتوصي الدراسة في الكتاب الذي نشر باللغة اليابانية، السلطات المغربية بضرورة خلق ألية للمتابعة والمرافقة النفسية الاجتماعية للعائدين، مع بناء استراتيجية أكثر قابلية على مساعدتهم في الاندماج الكامل داخل المجتمع.

وحضر المؤتمر الصحفي عدد من المسؤولين الأمنيين اليابانيين ودبلوماسيون وإعلاميين إضافة إلى أكاديميين يابانيين متخصصين بشؤون المنطقة.

بان اورينت نيوز


رأي