سمات البساطة والتواضع في الثقافة اليابانية تتجلى في لقاءات الإمبراطور

مدريد- الاحد 11 فبراير 2019
بقلم محمد بشير علي كردي

من سبق لهم العمل في اليابان وخاصة السفراء منهم الذين يحظون باستقبال جلالة إمبراطور اليابان لهم في القصر الإمبراطوري بطوكيو وقت تقديمهم لجلالته أوراق اعتمادهم، يشاهدون بساطة وأناقة القاعة التي قدموا فيها أوراق اعتمادهم، والقاعات المجاورة لها التي يستقبل فيها جلالته ضيوفه ومن يزورنه من ملوك ورؤساء دول وكبار الشخصيات، فهي مثال في البساطة من حيث قلة عدد قطع الأثاث والتصميم المعماري.

وفي اللقاءات الثنائية، لا يرون في قاعة لقاء جلالة الإمبراطور بضيفه أكثر من كرسيين رئيسيين، خلفهما يجلس المترجم، وبينهما طاولة صغيرة. ولاتقتصر هذه البساطة في الأثاث على كونها سمة أساسية في الثقافة اليابانية، بل تتعداها إلى إعطاء اللقاء خصوصيته فلا ينشغل فكر الزائر بفخامة القصر ولا بما في قاعاته من أثاث وديكور، لينصب التركيز على الحديث المتبادل. وهذا النمط الثقافي في البساطة يتعرف عليه الزوار غير اليابانيين عند زيارتهم مكاتب علية القوم من وزراء وسياسيين في طوكيو وغيرها من المدن. ويدركون كيف يحرص اليابانيون على أن يتم تبادل الحديث في مكان هادئ وبسيط وليس فيه ما يشغل فكر الزائر عن موضوع الزيارة كنوعية الأثاث وجمال الديكورات، فالعبرة فيما تثمر عنه اللقاءات من نتائج.

ويجب أن ندرك أن لقاءات جلالة إمبراطور اليابان مع ضيوفه من بلدان، تشتهر بجمال قصورها وفخامة مفروشاتها، في هذه الغرفة البسيطة تثبت لنا أن تقييم تطور وتقدم الدول هو مدى ارتقاء العقول والعلوم والإنجازات والابداع ورفاهية الشعب، وليس بالقصور والمكاتب الفخمة والأثاثات المذهبة والسجاد الفاخر، والأعلام المصنوعة من الحرير الفاخر.

ومايؤسف حقاً هو ما تناولته وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي هذه الأيام لغرض في نفس يعقوب كما يقولون في تعبيراتهم عن السبب والمسبب ، إذ ليس في الثقافة اليابانية المستمدة من تراث حضارة نمت و تطورت على مدى قرون عديدة من عمر العائلة الإمبراطورية إعطاء الدورس والعبر للآخرين، بل لتقديم صورة عن عادات وتقاليد اليابانيين في معيشتهم وأسلوب تواصلهم مع الآخرين وسر نجاحهم وتفوقهم وتغلبهم على ما مر عليهم من صعاب وعقبات بحكم طبيعة جغرافية جزرهم وما ينتابها من زلازل وبراكين، ونتيجة حروب دارت بينهم وبين الطامعين في بلدهم، وما في الحرب من كر و فر.

وماهذه البساطة بأمر غريب على ثقافتنا العربية. إن في تصميم بيوت العرب التراثية قاعة تسمى "المختصر" وتعني القاعة التي يدور في داخلها حديث خاص وشخصي يرغب الضيف وصاحب البيت أن يبقى موضوع حديثهما سراً بينهما لينجحا في النهاية بإصلاح ذات البين وتحقيق الفائدة المرجوة من اللقاء المختصر.

محمد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان



اليابان والدول العربية