خروج بريطانيا: بداية النهاية للعولمة، ونهاية البداية للإنعزالية

طوكيو – الجمعة 24 يونيو 2016
بقلم: خلدون الازهري

صَدْمَة الدوائر السياسية والإقتصادية في آسيا تجاه نتيجة استفتاء انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي لم تقل عن صدمة نظرائهم الأوروبيين، إبتداء من تحذير رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي من تأثيرات ذلك وتداعيات سلبية على العالم، وليس انتهاء بقول مسؤول تايواني بأن الإنكفاء البريطاني قد يؤدي إلى تأثيرات دومينو ليس في أوروبا فحسب بل في آسيا.

ولم يكن مفاجئاً تحذير رئيس الوزراء آبي من تداعيات سلبية على العولمة والاقتصاد الدولي، قائلاً أن اليابان سوف ترسل نائب وزير الخارجية سوغياما إلى بريطانيا واوروبا لدراسة الوضع "ميدانيا" والإطلاع عن كثب على عملية فك الإرتباط البريطاني الأوروبي.

وفي محاولة سريعة، لاأحد يراهن على فرصة نجاحها، دعا رئيس الوزراء آبي، باعتباره رئيس مجموعة السبعة لهذا العام، إلى العمل المشترك بين دول هذه المجموعة الصناعية التي تضم بريطانيا أيضاً، لضمان استقرار الإقتصاد العالمي والأسواق المالية من أي تداعيات، إضافة إلى منع أي تأثيرات ملموسة على البيئة المحيطة بالسياسات الدولية. وأعطى آبي تعليماته إلى وزير المالية والإقتصاد لاتخاذ كل مامن شأنه منع حصول أزمة مالية.

ولكن بعيداً عن حالة الهلع التي سادت الأسواق، وأدت لخسارة 8% من قيمة الأسهم اليابانية يوم الجمعة وانخفاض الدولار، مؤقتاً، تحت الحد الحساس نفسياً 100 ين، أجمع مفكرون في طوكيو على أن العولمة قد تكون الضحية الأكبر، حيث يوسم خيار الناخبين البريطانيين "بداية النهاية بالنسبة للعولمة، ونهاية البداية بالنسبة للإنعزالية"، وعودة الشعوب إلى الذات الوطنية والقومية ومصالحها المنغلقة. وهذا يتماشى مع نداءات قادة وسياسيين ليس في آسيا بل في العالم، تزايدت مؤخراً، ضد الإتفاقيات التجارية الكبرى مثل الشراكة عبر المحيط الهادي، ويجد هؤلاء في انسحاب بريطانيا زخماً لتحركهم ضد المزيد من العولمة.

وآفاق عصر الإنعزالية تبدو واضحة في تصريحات سياسيين طموحين مؤمنين بالحمائية لركوب موجة الوطنية، مثل المرشح الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا إلى بناء جدار بين بلاده والمكسيك. ومن الواضح أن موجات الهجرة واللاجئين إلى اوروبا قد شجعت الإنعزاليين والقوميين ومايوصفون بالحمائيين في بعض الدول على رفض المزيد من فتح الحدود واستقبال الشعوب الأفقر، المختلفة عرقياً وثقافياً ودينياً، وأيضاً البضائع الأرخص. ويرى هؤلاء، مثل الذين في اقليم الباسك في اسبانيا، في الوحدة الاوروبية تهديداً مباشراً لهويتهم القومية ومصالحهم الذاتية.

وبينما يحتفلون الإنفصاليون هذا المساء "باستعادة" بريطانيا، تجحظ العيون في آسيا نحو مناطق تطالب بالإستقلال أو بحكم ذاتي تراه الدول المهيمنة مؤلماً إن لم يكن مرفوضاً. وفي رأس القائمة دولة الصين التي ضمت التيبت وشرق تركستان، مناطق الويغور، وتسعى لضم تايوان. وشعوب هذه المناطق والدول، التي ترفض الإتحاد مع الصين، على أحسن الإحتمالات، سوف تجد في انفصال بريطانيا حافزاً مشجعاً لهم على تجديد نضالهم ونقله إلى مرحلة جديدة.

وعلى الصعيد الأمني الجيوسياسي الأمني تنتشر نظرة آسيوية بأن أوروبا بدون بريطانيا سوف تكون أضعف من الناحية العسكرية والأمنية في مواجهة المنافسين التقليديين وخاصة روسيا. وتنبأ محلل ياباني في طوكيو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انضم إلى قائمة المحتلفين هذه الأمسية مستفيداً من مد الإنقسامات في اوروبا، ولاسيما أن موسكو قد لعبت موسكو دائماً سياسة "فرق تسد" لمصلحتها في اوروبا.

ولايوجد في الساحة حالياً من يجادل بأن انسحاب لندن، التي تعتبر جزءاً رئيساً في النظام المالي العالمي، لن يقوض النفوذ المالي للإتحاد الأوروبي ككل، حسب قول أنثوني راولي الخبير المالي الاستراتيجي في طوكيو في تصريح خاص إلى بان اورينت نيوز. ويرى راولي أن الجنيه الإسترليني حالياً "عملة جريحة" تحتاج إلى فترة قبل أن تستعيد عافيتها والثقة بها، وهذا سوف يقوض أيضاً أهمية بريطانيا السياسية في القارة.

ورغم استبعاد تأثر حلف الناتو بشكل ملموس بخروج البريطانيين من الاتحاد الأوروبي، يتوقع مراقبون بوادر انقسام أو شرخ في اوروبا، وارتفاع حدة الجدال الفرنسي الالماني، فبريطانيا "لم تعد جزءاً من القوة الأوروبية، ولا أحد يعرف ماذا سيحصل".

وهناك شبه إجماع في اليابان على أن أوروبا أصبحت أضعف وهذا أمر لايمكن إنكاره على الإطلاق ويثير مخاوف بأن "الروس والصينيين قادمون" إلى القارة الأضعف التي سوف تقدم فرصاً أفضل لعمالقة آسيا.

وبنفس الوقت قد تعود لعبة الكراسي الموسيقية بين الدول الباقية في الإتحاد الأوروبي لتعزيز مكاسبهم، فإيطاليا، مع اسبانيا والمانيا، غير سعداء كثيراً، ويشعرون أنهم دفعوا أكثر مما يجب لهذا قد يطلبون المزيد من التنازلات والصفقات الأكبر لبقائهم.

ومن هنا فإن مهمة بروكسل أصبحت كبيرة ومصيرية في ترميم شعورالوحدة ومنع تفاقم تسونامي الإنعزالية القومية عبر أوروبا ومحاولة إعادة إقناع الجميع بقيمة المشروع الأوروبي.

وقد كانت دول آسيا، وخاصة في شرق وجنوب شرق القارة إضافة إلى الصين، ترى في الإتحاد الأوروبي مثلها الأعلى في التكامل والتوحد الإقليمي. وتكتل دول آسيان خير وأقوى مثال على ذلك حيث يجمع 10 دول ودولة بصفة مراقب. وهو ليس بقيادة موحدة على طراز الاتحاد الأوروبي الذي تصدر عنه جميع القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، بل كل دولة في آسيان مستقلة بقراراتها.

وكان الجميع في شرقي القارة الآسيوية ينظرون إلى اوروبا كنموذج ومثل أعلى للوحدة والتكامل، والآن فإن الإنسحاب البريطاني من الإتحاد الأوروبي يعني بنظر عدد متزايد من الآسيويين، أن هذا المثل الأعلى ينهار، ولاأحد مهتم الآن بالحديث عن ضرورة جعل آسيا نسخة عن اوروبا.

بان اورينت نيوز
حقوق النشر محفوظة


سياسة