جزر تيران وصنافير: زيارة الخير في فَوضَى الجهل

مدريد في 19 ابريل 2016
بقلم محمَّد بشير علي كردي


تركت زيارة خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز ملك المملكة العربيَّة السعوديَّة إلى جمهوريَّة مصر العربيَّة خلال الأسبوع الثاني من شهر أبريل الجاري بصمةً تُصحِّحُ ما شاب العلاقات بين البلدين من مدِّ وجزرمنذ قيام المملكة عام 1932 وتمكُّن الملك عبدالعزيز آل سعود من لمِّ شمل أطراف جزيرة العرب من خليجها شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، ومن بلاد الشام شمالًا إلى اليمن جنوبُا مؤسِّسًا دولة بسطت الأمن والأمان والطمأنينة في أرجاء البلاد كافَّة وتأمين طرق الحجيج إلى المَدينتين المُقَدَّستين؛ مَكَّةَ المُكَرَّمةِ والمدينةِالمُنَّورة التي كانت في أواخر عهد حكم الأشراف نيابة عن السلطنة العثمانيَّة عرضة لقطَّاع الطرق والنهب والسلب.وبهذا استحقَّ جلالته وأنجاله شرف خدمة الحرمين الشريفين التي كان يضطلع بها سابقًا خليفة المسلمين في الآستانة. وهو شرف كان يطمح له حاكم مصر الخديوي محمَّد علي الكبير منذ استئثاره بحكم مَصر، وتطلُّعه لغزو المدينتين المُقَدَّستين مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة وما يتبعهما من ممتلكات السلطنة العثمانيَّة في جزيرة العرب وبلاد الشام.

كان لاجتياز قوَّاته بإمرة ابنه ابراهيم باشا أراضي الأناضول خطًّا أَحمرَ رسمته الدول الغربيَّة التي قضت على الخلافة العثمانيَّة، فأجبرت القوَّات المصريَّة على التخلِّي عن ما احتلَّته من أراض والعودة إلى مصر مهيضة الجناح. لكن خروج الأشراف من الحجاز ودخول الملك عبد العزيز المدينتين المُقَدَّستين وما حقَّقه من أمن وأمان، أعاد لدى أسرة محمد علي حلم الخلافة من جديد، وبدأوا بتهيئة الملك فاروق لهذا المنصب الرفيع إسلاميًّا خشية أن ينفرد بها الملك عبد العزيز لنفسه، وهو ما نفاه جلالته بشدَّة. ونتيجة لذلك حصل جفاء بين الأسرتين الحاكِمتين في كلٍّ من السعوديَّة ومصر، لينتهي بزيارة ملكيَّة سعوديَّة إلى مصر قام بها الملك عبد العزيز عام 1942، وقوبلت بالحفاوة البالغة من المصريِّين حكومة وشعبًا وفتحت الكثير من سبل التعاون بين البلدين حتَّى اندلاع الثورة في اليمن التي قضت على حكم آل حميد الدين بدعم عسكريٍّ وماديٍّ من مصر، لتتأزَّمَ العلاقة بين البلدين.

وجاءت نكسة 1967 واحتلال إسرائيل لكامل أراضي فَلَسطين ولهضبة الجولان السوريَّة وشبه جزيرة سيناء المصريَّة، وفقدان مصر قدراتها العسكريَّة، ليقوم الملك فيصل يرحمه الله بواجبه الأخوي والإنساني والاخلَاقي في مؤتمر قمَّة الخرطوم بدعم مصر بالإمكانيات الماديَّة والمعنويَّة لإعادة بناء قدراتها العسكريَّة وتمكينها من استعادة الأراضي العربية المحتلَّة. وكان لفيصلَ ما أراد، وتمكَّن جيش مصر في عهد الرئيس السادات من عبور قناة السويس وهدم حاجز بارليف وكسر مقولة "جيش إسرائيل الذي لا يقهر". وتبع ذلك مفاوضات بين مصر وإسرائيل برعاية الولايات المتَّحدة الامريكيَّة اعادت لمصر بموجب اتفاقيَّة كامب ديفيد كامل شبه جزيرة سيناء وانسحاب القوَّات الإسرائيليَّة من جزيرتي تيران وصنافير عام 1982.

ومنذ ذلك اليوم والمملكة تطالب مصر الاعتراف بسيادتها على الجزيرتين. ومع القبول الضمني من جانب مصر، لم يتم التوصُّل لإعلان مصري صريح بأنَّ الجزيرتين سعودِّيتان. لجأت المملكة إلى إثبات حقِّها في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة، ليستجيب الحكم في مصر مؤخَّرًا لرسم الحدود المائيَّة بين البلدين كما تقرِّه الوثائق والخرائطا لتاريخيَّة والدوليَّة التي أثبتت أحقيَّة المملكة في الجزيرتين مما مهَّد السبيل للإعلان عن ربط المملكة بمصر بريًّا بجسر يرتكز على جزيرتي تيران وصنافير.

قوبل هذا الإعلان بالتقدير والثناء من غالبية عقلاءِ مصر تقديرًا منهم للفائدة العظمى التي ستعود على مصر من جرَّاء الربط البري بين البلدين وما يتوقع من ايرادات المناطق الحرَّة ورسوم المرور، وأَهمُّها الروابط الإِنسانيَّة والبشرية بين شعبين شقيقين. غير أنَّ تراكمات الفوضى الهدَّامة أغرت عشَّاق الإشاعلت والقيل والقال مع جهلهم للتاريخ والجغرافيا بمعارضة سَعوَدَة الجزيرتين لا للحقيقة، وإنَّما معارضة منها لزعزعة نظام الحكم في مصر. لكن في المحصَّلة لا يصحُّ إلَّا الصحيحُ.

للعلمِ، جزيرتا تيران وصنافير صخريَّتان جرداوتان خاليتان من البشر والشجر تقعان عند مدخل خليج العقبة؛ مساحة الأولي ثمانون كيلو مترًا مربَّعًا ومساحة الثانية ثلاثة وثلاثون كيلو مترًا مربَّعً، وتبعدان عن بَعضُمها بعضًا ألفين وخمسمائة مترِ، وتمرُّ من غربهما طرق الملاحة البحريَّة. وتمتازان بما حولهما من الجزر والشعاب المرجانيَّة العائمة مما يجعلها مقصدًا لمُحبي رياضات الغوص لصفاء مائها وجمال تشكيلاتها المرجانيَّة. وتشييد الجسر المرتقب مرورًا بهما سيوفِّر العديد من فرص العمل لشباب البلدين، والحياة لمساحات شاسعة من أراضي شبهِ جزيرة سيناء .


محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية الأسبق في اليابان

بان اورينت نيوز


رأي