مناجاة جبل قاسيون!

مدريد - 10 يوليو 2014
بقلم محمَّد بشير علي كردي

هل لي أن أُماثلَ شهادة جبل "فوجي سان" لرشا عن مسيرة اليابانيَّين على مدى التاريخ للإبقاء على بلدهم في مركز الصدارة والحفاظ على دياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم مصونةً مُكرَّمةً، ومناجاة هَمْسٍ مُتحشرجٍ حزين من جبل قاسيون لي بعد طول فُرقة وغيابٍ، وما يكتنزه من توثيق لتاريخ دمشق وبلاد الشام وما حولها شرقًا إلى الصين، وشمالَ غربٍ إلى أوروبَّا، ثمَّ مرورًا بالقارَّة الأفريقيَّة وشبه جزيرة أيبيريا؟

"فوجي سان" يوثِّق لأُمَّة تعيش على جُزُرٍ تُبعدها مياه المحيطِ عن البرَّ الآسيوي، فتحفظ لها خصوصيَّتها. لكن دمشق الشام، كانت وما تزالُ، وستبقى مؤثِّرة ومتأثِّرة بكلِّ ما يجري حولها عربيًّا وإقليميًّا وعالميًّا. لقد كانت عاصمة المملكة الآراميَّة منذُ الألف الثالثة قبل الميلاد، حاضرةً ومزدهرةَ. ومكَّنها موقعها المميَّز من أن تصبح مركزًا تجاريًّا هامًّا على طريق الحرير الذي كان شريان الحياة لكلِّ الأُمم الذي مرَّ في أراضيها وشواطئها من الصين شرقًا وغربًا حتَّى شمال أُورربَّا، ناقلاً من مدن العالم القديم وإليها ما تنتجه أراضيها من توابل وعطور وأقمشة ومواد غذاء، وقبل ذلك، عقول أبنائها وما فيها من علم ومعرفة وفنون وآداب وثقافة.

إنَّها دمشق، أقدم مدن الأرض المسكونة بعد أريحا، مرَّت عليها أحداث حافلةٌ على امتداد أربعة آلاف سنة، ولعبت أدوارًا كبيرة في تاريخ الشرق القديم من عهد الدولة اليونانيَّة إلى الرومانيَّة والبيزنطيَّة. ظلَّ لها هذا الدور بعد أن فتحها المسلمون على يدِ سيف الله المسلول، القائد خالد بن الوليد والصحابيِّ الجليل أبي عُبيدة بنِ الجرَّاح عام 14هـ / 635 م. ومن ثَمَّ، تربَّعت على كرسي الخلافة الأُمويةَّ، ومنها انطلقت حملات التبشير بالرسالة المحمَّديَّة لإيصال رسالة الاسلام إلى أُمم العالم القديم كافَّةً لصهرها في أُمَّة واحدة مُتَعدِّدة الأعراق والديانات، تجمع بين أفرادها حكمةُ الله المُتجليَّةُ في قوله تعالى في سورة الحُجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، ولا فضلَ فيها "لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ" من مواطنيها، "إِلاَّ بِالتَّقْوَى." وصدقَ شَوْقِي إِذ قال:

لَوْلا دِمَشْقُ لَمَا كَانَتْ طُلَيْطِلَة ٌ وَلا زَهَتْ بِبَنِي العَبَّاسِ بَغْدَانُ

لقد نقل الأُمويُّ الذي تربَّع على عرش الأندلس خلاصة ما توصَّلت إليه دمشق من ثقافة وحضارات أُمم القارة الآسيويَّة، فقامت في غرناطة وقرطبة وإشبيلية إلى جانب طُليطلة ومالقة ومدنٍ أُخرى مراكزُ نور وإشعاع وهداية، قصدَها طلاَّب العلم والمعرفة من أَمم القارَّة الأُوروبيَّة كافَّةً التي كانت غارقة في الجهل والتخلُّف. وليس غريبًا أن نجدَ ربوع إسبانيا والبرتغال اليوم ترقص الـ "فلامنكو" وتغنِّي الجميل من الشعر، وأرضها خضراء تنتج كلَّ لوازم المائدة من لحوم وخضروات وحبوب وفاكهة لتفوُّقها في وسائل الريّ والزراعة التي ورثتها عن دمشق الشام. فمنذ فجر التاريخ، ومنذ أن عرف مزارعو بلاد الشام القمح، عرفوا فنون الريِّ والسقي ونقل المياه من مجراها إلى الأماكن المرتفعة في كلِّ المزارع والقرى والمدن التي تقع على مجرى الأنهر. ونهر بردى، خير مثال على ذلك لِما يمنحه لمدينة دمشق وغوطتها من توزيع عادل لمياهه بتفرُّعه لسبعة أنهر، تنتشر من سفوح جبل قاسيون إلى وسط المدينة، فتروي مياهه مساحات شاسعة من المزارع داخل دمشق وخارجها، كما كانت حتَّى وقت ليس بالبعيد، تزوِّد بيوت دمشق بالماء عبر قنوات وآبار متوزِّعة في البيوت والمباني. ولهذا سُمِّيت دمشق "جنَّة الله على الأرض"، ففي ربوعها، الماء والخضرة والوجه الحَسَن.

ومَن يُساءلُ جبل قاسيون عن دمشق وحضارة أهلها، وما شهدته من أحداث، يومي له بحُزنٍ واكتِئابٍ ويهمسُ بدمعٍ يغيضُ في داخله، كذلك الدمع الدامي الذي تساقط من سقف مزار مغارة الأربعينَ الصخريِّ لمَّا قتل الإنسان أخاه الإنسانَ، ولخَّصته آياتٌ من سورةِ "المائدة" في القرآن الكريم، واصفةً ما جرى بين الأخوين قابيل وهابيل، ابني آدم أبي البشر: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.

الجبل الذي لم تهزَّه الرياح، ما فتئ على مرَّ الحُقَب والعهود يشهد جحافل من الغزاة والطغاة الذين فُتِنوا بجمال دمشق وما حولها، وطمعًا بخيراتها، فاقتحموا عرينها، وأمعنوا قتلاً في أبنائها، وحرقًا ودمارًا لمزارعها، غير أنَّهم رُدُّوا على أعقابهم خاسرين، لتسعيد "شَامَةُ اللهِ فِي بلادِه" حاضنةُ بلاد الشام والهلال الخصيب ألَقَها وعافيتها، وتسهم في الحضارة الإنسانيَّة بما حبى الله أهلها من علم وقُدرة على التحِّدي والإبداعِ، وبما منح طبيعتها من جمال وهواءها من عبير وردها الدمشقيِّ الجوريِّ وفلِّها وياسمينها، وعين فيجتها من ماء عذب، وبساتينها من خضرة وخيرات تتزيَّن بها الموائد الدمشقيَّة والشاميَّة لذَّةً للآكلين. وتذكِّر بما في جنَّة الله من خيرات لعباده الصالحين. وليس من غرابةٍ أن وُصِفت دمشق الشام بـِ "جَنَّة الله على الأرض."

مهما تكن المماثلة، وسواءٌ عبَّرتِ المناجاة عمَّا يختزن الصدرِ من ذكرياتٍ لمسقط رأسي وبلد الطفولة، ومرتع الصِّبا، يبقى مهما سال رقراقًا غيضًا من فيضِ. وتجدني أُردِّدُ مع ابنِ دمشق وعاشقها نزار قباني:

مَسْقَطُ رَأْسِي فِي دِمْشِقِ الشَّامْ‏

هَلْ وَاحِدٌ مِنْ بَيْنِكُمْ

يَعْرِفُ أَيْنَ الشَّامْ؟ ‏

هَلْ وَاحِدٌ مِنْ بَيْنِكُمْ

أَدْمَنَ سُكْنَى الشَّامْ؟‏

رَوَاهُ مَاءُ الشَّامْ!‏

كَوَاهُ عِشْقُ الشَّامْ!‏

تَأَكَّدُوا يَا سَادَتِي

لَنْ تَجِدُوا فِي كُلِّ أَسْوَاقَ الوُرُوْدِ وَرْدَةً كَالشَّامْ ‏

وَفِي كُلِّ دَكَاكِيْنِ الحُلَى جَمِيْعِهَا ‏

لُؤْلُؤَةً كَالشَّامْ ‏

لَنْ تَجِدُوا‏

مَدِيْنَةً حَزْيِنَةَ العَيْنَيْنِ مِثْلِ الشَّامْ

فكيف لي بعد هذه المناجاة يا رشا، ألاَّ أجعل ختامها وردةً جوريَّةً أقطفها من "حديقة الجاحظِ" في دمشق وأضعها على صدرها إلى أن يحين وقت انعتاقها، ونلتقي!

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان


رأي