بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا يونيه!

مدريد - الجمعة 6 يونيه/حزيران 2014

بقلم محمَّد بشير علي كردي

خاص لوكالة بان اورينت نيوز

حَلَّ شهر يونيه/حزيران، لتعودَ معه تلكمُ "الأيَّامُ السودُ" من عام 1967 التي مَكَّنت دولةَ الصهاينة من احتلال كامل التراب الفلسطيني وهضبة الجولان السوريَّة وشِبْهَ جزيرة سيناء المصريَّةِ وجزيرَتيَّ تيران وصنافير السعوديَّتين في هجمة شرسة، شلَّت قدراتِ الجيوش العربيَّة على مواجهة العدوان، وأجبرتها على استجداء الحكومات الغربيَّة ومجلس الأمن ومنظَّمة الأمم المتَّحدة للمساعدة على استعادَة الأراضي المُحتلَّة سلميًّا.

وما يزالُ الاستجداء العربيُّ مستمرًّا، والتعنُّت الصهيوني على أَشدِّهِ مَعَ كلِّ المبادراتِ العربيَّة التي تنازلت للصهاينة عن الأراضي المُحتلَّةِ قبل الخامس من يونيه/حزيران 1967، والاعتراف الكامل بإسرائيل "دولةَ صديقة"، مقابل موافقة الصهاينة على دولة فلسطينيَّة في الضفَّة الغربيَّة التي كانت تحت الحماية الأردنيَّة، وقطاع غزَّة الذي كان تحت الحماية المصريَّة.

يذكر صديقي الياباني تلك الأيَّام السوداء، ويذكر جلوسنا في الخامس والسادس والسابع من شهرِ يونيه/حزيران 1967 أمامَ جهاز وكالة رويتر للأنباء في فندق هليتون في طوكيو لمتابعة تطوُّر الأحداث، والتأكُّد من صحَّة نشراتِ المحطَّات الأجنبيَّة مِن تقدُّم الصهاينة في جبهات القتال كافَّةً، وما كان يذيعه "صوتُ العرب" من القاهرة عن تقدُّم الجيوش العربيَّة باتِّجاه تلِّ أبيب!

ويذكرُ الصديق الياباني جيِّدا، رجاءَ أحدِ مُتابعي شريط رويتر للأخبار في الثامن من يونيه/حزيران "أن نعودَ إلى بيوتنا، فالحرب انتهت." والقدس عادت لبني ملِّته.

لم يكن بوسعنا تخيُّل ما حدث بعد أن عُقدت الآمالُ على جيش مصر العربيَّة في تحرير تراب فلسطين المحتلِّ في حرب عام 1948 معَ كلِّ ما جابهه من مشاقٍّ وخيبات أملٍ في اليمن.

يتساءَل الصديقُ عمَّا إذا كان "تسونامي الخريف العربي" الذي ضرب العديد من البلدان العربيَّة، ناشرًا "الفوضى الخلاَّقة" وما خلَّفته من قتل ودمار وتشريد هو امتدادٌ لما حدث في هجمة يونيه/ حزيران 1967! وغايته تمهيد الطريق لإقامة الدولة الصهيونيَّة من "الماء إلى الماء"- "من الفرات إلى النيل، ومن بحر العرب إلى البحر الأسود!" لا، بل ربَّما إلى أبعدِ من ذلك بكثير! إلى تلك الحقبة من الزمن التي تفتَّت فيها السلطنة العثمانيَّة، وقرَّر الغرب إعلان وفاتها وتقاسم ممتلكاتها فيما بين دوله، مُبيقيةً على الأناضول، دولةً تركيَّةً علمانيَّةً متنكِّرةً لقيم الإسلام وللحرف العربيِّ الذي يقرأ به المسلمون قرآنهم المُقدَّسَ! ورسمهم على خارطة المشرق العربي دويلاتٍ وفق مصالح الإمبراطوريَّتين البريطانيَّة والفرنسيَّة كما خطَّط لها وزيرا خارجيَّتيهما، سايكس و بيكو ليُسهِّلا لليهود الهجرة إلى فلسطين!

يضيف الصديق الياباني القول بأنَّ ما جرى ويجري هذه الأيَّام في العالم العربي من تداعيات "الفوضى الخلاَّقةِ" يجب ألاَّ يكون مدعاةً لليأس، بل مُحَفِّزًا على العمل بجدٍّ ونشاط لإعادة بناء الأُمَّةِ العربيَّة وتسليحها بالعِلْم المعرفة لبناء مُجتمعٍ قويِّ البُنية، واقتصادٍ سليمٍ يعزِّز قُدرةَ الشعوب العربيَّة للوقوف أمام دولة الصهاينة وقفةَ النَّدِ للنَّد.

ويرى الصديق في الحملةِ التي برفعُ مشعلَها خادمُ الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك المملكة العربيَّة السعوديَّة في المشرقِ العربي مؤشِّرًا إيجابيَّا لصحوة علميَّة بنَّاءة. دليلُه في ذلك، رصدُ جلالته الميزانياتِ العملاقةَ للتعليم في مراحله كافَّة الكفيلة بتحديثه لمواكبة مسيرة التعليم في البلدان المُتقدِّمة. وإيفادُ مئات الألوف من الشبَّان والشابَّات إلى العديد من جامعات العالم المشهودِ لها بالتفوُّق وتهيئة العلماء والمخترعين ليكتسبوا العلم والمعرفة، وعودة هؤلاء المبتعثين والمبتعثات إلى بلدهم ليوظِّفوا علمهم وخبراتهم في تنمية بلدهم، والسير بها قُدُمًا إلى مصاف الدول المتقدِّمة. ولهم في تجربة تركيَّا الحديثة قدوةٌ حسنةٌ. فهذه البلد التي أُجبرت على خلع ثوبها الإسلامي والتنصُّل من الحرف العربي، كانت حتَّى سنوات قليلة في عِداد الدول المتخلِّفة، فإذ بها تقفز اليوم إلى مصاف الدول الكبرى بفضل صحوة قادتها واعتزازهم بماضي أُمَّتهم. وليس هناك ما يحول دون الاستفادة من تجربتها في دفع عقارب الزمن إلى الأمام لمواكبة الدول المتقدِّمة عِلمًا ونتاجًا! وما بين العربِ والأتراك من تُراث حضاريٍّ وثقافة الإسلام الوسطي كفيلٌ بنجاح التعاون ليأتي أُكُلُهُ وثماره في المستقبلِ القريب.
أليسَ لِكلٍّ مُجتهدٍ نصيبٌ!

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


سياسة