حاضرٌ ميمون لمستقبلٍ مضمون

ماربيا (اسبانيا) - السبت 5 أبريل 2014

بقلم محمَّد بشير علي كردي

للأماكن ذاكرةٌ لا يعتريها الضمور، ولا يصيبها "الزهايمر"، فإذا وقفت أمام مبانيها وأنعمت النظر في معالمها تذكِّرك بمن التقيتهم، وكيف كان اللقاء، وما دار من أحاديث فيه، مع أنَّ اللقاء قد يكون مرَّ عليه عشراتٌ من السنين.

اليوم، وأنا أقضي إجازة اعتكاف في شقَّتي في "بنويفا أندلوسيا" في ماربيَّا، قصدت "فوينخيرولا" لأداء صلاة الجمعة في مركز سهيل الثقافي، كان لقاءً ممتعًا وثريًا ومفيدًا مع فضيلة مدير المركز الدكتور محمَّد كمال مصطفى، ثمَّ استعمنا منه خُطبة جمعة قيَّمةً، ومن ثمَّ استمتعت بطبق بامية شهيٍّ لذيذ.

غادرتُ المركز ناويًا العودة إلى شقَّتي في "نويفا أندلوسيا" فإذا بالسيَّارة تقودني إلى كورنيش "فوينخيرولا" الجميل. ولقلَّة حركة السيَّارات في تلك الساعة من النهار التي تُغري بقيلولة، أبطأت السرعة لإمتاع ناظريَّ يمنة بمياه البحر، ويسرة بالمباني الشاهقة التي يقصدها عشَّاق السياحة من العديد من البلدان على مدى أيَّام السنة.
بدون قصدٍ، أوقفت سيَّارتي أمام مبنى فندقٍ سياحيٍّ في مدخله "كافتيريا" اخترتها لتناول فنجان قهوة على الرصيف.

وما هي إلاَّ ثوانٍ حتَّى أخذ المكان يذكِّرني بآخر زيارة لي في تسعينيَّات القرن الماضي حيث كنت على موعد للقاء شخصيَّة مميَّزة من شباب بلدي، المملكة العربيَّة السعوديَّة كانت قد وصلت قبل يوم إلى "مالقة" بزيارة خاصَّة ودون تغطية إعلاميَّة أو إجراءات بروتوكوليَّة لقضاء إجازة في ربوع الأندلس. اختيار الزائر الكريم هذا الفندق على كورنيش "فوينخيرا" ليقضي فيه مع أسرته والمرافقين مدَّة الإجازة، ومنه يتجوِّلون في حافلة سياحيَّة بين مدن إقليم الأندلس بهدوء وبدون ضجيج إعلاميٍّ الذي غالبًا ما يعكِّر صفو الإجازة.

عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم، وتذكَّرت الحديث الممتع المطوَّل الذي دار بيننا ونحن في المقهى نفسه. عرفت منه بعد إشباع متعة التحليق في الجو أنَّ نسرًا يذود عن البلد وأمنه واستقراره، ساقته المقادير إلى محافظة حائل في شمال المملكة ليتولَّى تطويرها والرفع من مستوى معيشة الأهل فيها. وقال بأنَّه وجد أرضًا تربتها كريمة ومعطاءة، فاتَّخذ من الجرَّارات الزراعيَّة والمحاريث هِواية يمارسها كلَّما وجد متَّسعا من الوقت في تهيئة التربة لزراعة مربحة. وما هو إلاَّ بعض وقتٍ حتَّى أغرت هوايته هذه العديد من المزارعين، فاقتفوا خطواته في الغرس والتشجير، وكان لشجرة الزيتون المباركة نصيب أوفى في الغرس، فغطَّت السهول والمرتفعات، ودرَّت من زيتونها كمياتٍ تجاريَّةً من الزيت تكمل حاجة السوق المحليَّة بعد أن أصبح زيت الزيتون عنصرًا أساسيا في المطبخ السعودي بفضل الجاليات الفلسطينيَّة واللبنانيَّة والسوريَّة التي استقرَّت في العديد من مدن المملكة وقراها.

أذكر أنَّ الزائر الكريم سألني عمَّن بوسعه أن يرشده إلى حيث يمكن جلب معاصر الزيتون، فلديه رغبة في إنتاج زيت الزيتون السعودي محليًّا. وأذكر أنَّني عرَّفته إلى شباب من آل قبيطر يصدِّرون زيت الزيتون ماركة "الوزير" إلى العديد من دول العالم ومن بينها المملكة. وبالفعل، تمَّ بينهم لقاء أثمر عن تصدير المعدَّات اللازمة لعصر الزيتون في المملكة. ولم ينقضِ طويلُ وقتٍ، حتَّى أخذ زيت الزيتون المنتج محليًّا يحتلُّ مكانه في المخازن السعوديَّة الكبرى إلى جانب زيت الزيتون المستورد من أسبانيا وإيطاليا واليونان وعددٍ من الدول العربيَّة.

ولأنَّ لكلِّ مجتهد نصيب، وإنجازات عشرين عامًا من تطوير مدينة حائل ومحافظتها، فقد قادته مصلحة العباد والبلاد إلى المدينة المنوَّرة ليعمل على تطوير مرافقها وتسهيل إقامة ضيوف الرحمن وزوَّار بيت رسوله الكريم، فأعطى الكثير من الجهد لوضع أسس تطوير المنطقة المركزيَّة بمساعدة فريق رفيع المستوى شمل خيرة العلماء والمهندسين وعلماء التاريخ والاجتماع وخبراء النقل والخدمات العامَّة.

ولمَّا كان النجاح يأخذ بصاحبه من موقع الى آخر ليعمَّ عطاؤه مختلفَ أوجه الخدمةِ القياديَّة، فقد تولَّى منصب السهر على أمن الوطن الكبير واستقراره. ولم يَخِب الظنُّ، بل زاد من رصيده عند وليِّ الأمر، فأختاره مستشارًا ومبعوثًا شخصيًّا له، ومؤخَّرًا ولِّيَ وليَّ عهدٍ لمملكتنا الغالية.
إنَّه صاحب السموِّ الملكيِّ الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود، ملك المستقبل بعد عمر مديد لكلٍّ من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، ووليِّ عهده الأمين صاحب السموِّ الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظهما الله.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي