ربيع لبلاد الشام يعيد ابتسامة الفرج بعد الشدَّة

مدريد – الأحد 14 أبريل 2013 /بان اورينت نيوز/

بقلم محمد بشير علي كردي


راق لِبُنَيَّتي ما عرفته عن "سعد الخبايا" الذي يحلو للصبايا ممَّن هنَّ في عمرها التنزُّه في الحدائق والمروج من اليوم الأوَّل لطلوعه، سألت عمَّن أطلق على الأيَّام الأخيرة من فصل الشتاء مسمَّى السعد؟

تطوَّعت بالإجابة رشا العائدة لتوِّها من زيارة مخيَّمات اللاجئين السوريِّين في الأردن وتركيا في جولة استغرقت معظم فصل الشتاء، وهناك التقت العديد من أهالي تلك المنطقة، ومنهم عرفت بأنَّ مزارعي بلاد الشام كان لهم السبق في تقسيم فصل الشتاء إلى قسمين: "المربعانيَّة"، هي الأربعون يومًا الأولى من فصل الشتاء بدأ من الحادي والعشرين من شهر ديسمبر/كانون أوَّل، و "الخمسينيَّة"، الخمسون يومًا الأخيرة، وتبدأ في الثلاثين من شهر يناير/كانون ثانٍي، وتنتهي في اليوم الحادي والعشرين من شهر مارس/آذار.

تلك الأيَّام التي يعلِّق عليها المزارعون الأمل والرجاء من ربِّ العباد بموسمٍ زراعيٍّ يعوِّضهم عن كدَّهم وجهدهم. قسَّموا "الخمسينيَّة" إلى أربعة سعود، مدَّة كلِّ سَعْدِ اثنا عشرة يومًا ونصف اليوم. ترشدهم قبَّة السماء وما يزيِّنها من نجوم وكواكب لتحديد بدء كلِّ سعدٍ، ودخول السَّعد الذي يليه.

في التقويم القمري، يكون للقمر 28 منزلة، يقطعها القمر في دورته وعلاقته بالنجوم والكواكب. ولكلُّ منزلة عند العرب القدماء، اسم يبدأ بمنزلة، هي: الشرطيان فالبطين فالثريَّا فالدبران فالهقعة فالهنعة فالذراع فالنثرة فالطرف فالجبهة فالزبرة فالصرفة فالعواء فالسماك فالغفر فالزبانا فالإكليل فالقلب فالشولة فالنعايم فالبلدة فسعد الذابح فسعد بلع فسعد السعود فسعد الخبايا، ومن بعد مقدَّم الدلو فمؤخَّر الدلو، وأخيرًا الحوت.

عادت بُنَيَّتي لتسأل عن تردًّد كلمة "سعد" في "خمسينيَّة" الشتاء؟ روت رشا أسطورة يردِّدها المتقدِّمون في العمر من مزارعي بلاد الشام، وخلاصتها [أنَّ شخصًا اسمه سعد، عزم على السفر بعد نهاية الأربعينيَّة. حاول والداه منعه من السفر خوفًا عليه، فأبى إلاَّ أن يسافر. ولمَّا لاحظ أبواه إصراره على السفر، نصحاه أن يتزوَّد بالفراء والحطب اتقاء البرد المُحتمل والمطر. فما سمع نصيحة أبويه، ظنًّا منه أنَّ الطقس لن يتغيَّر، لأنَّ الجوَّ في ذلك الوقت كان دافئًا. ركب سعد ناقته وسافر. وبعد يومين من السفر، نظرت والدته شمالاً فرأت الغيوم الشماليَّة، فخافت على ولدها، فأخذت تردِّد: إن ذبح سعد سلم. وفعلاً ما أن بلغ منتصف الطريق إلى حيث يقصد حتَّى اكفهرَّت السماء، وتلبَّدت بالغيوم، وهبَّت ريح باردة، وهطل مطر غزير وبرد، فلم يكن أمامه سوى ذبح ناقته، وهي كلُّ ما يملك حتى يحتمي بأحشائها من البرد القارس. لذلك ذبح الناقة، وكان (سعد الذابح). وبعد أن احتمى في أحشائها من البرد، دب الجوع في سعد، و لم يجد أمامه سوى أحشاء الجمل ولحمه للأكل. وهكذا كان (سعد البالع). وما أن انتهت العاصفة، وظهرت الشمس حتَّى خرج سعد فرحًا من مخبئه، وكان (سعد السعود). وحرصًا منه على متابعة طريقه دون مشاكل، صنع معطفًا له من وبر الناقة، وحفظ زادًا له من اللحم المتبقِّي من الجمل بالطرق التقليديَّة.

وهكذا كان (سعد الخبايا). وكما هو معروف، يحلُّ سعد دبح أو دابح في البداية. وفي أيَّامه تشتدُّ البرودة ويقصر النهار ويطول الليل، ويردِّد المزارعون العديد من الأمثال عن هذا السعد ومنها: "بسعدِ الدابح، يا نهار مُدَّ، ويا بَرْد شُدَّ." و "بسعد الدابح، لا تنابح." و "سعد دبح، إن دبح ربح، وإن ما دبح اندبح." ويليه سعد بلع، لرؤيتهم في قبَّة السماء نجمين مستويين، أحدهما خفي، والآخر مضيء، كما لو كان أحدهما يبلع الآخر. وقيل إنَّه سمِّي "بلع"، لأنَّه في وقته، تفيض الأنهار وتزيد الآبار كأنَّ الأرض ابتلعت ماءها. وتقول العرب: "إذا طلع سعد بلع، اقتحم الرُبَع، (مواليد المواشي المبكرة)، ولحق أهله الهُبَع (المواليد المتأخِّرة) وجمد الماء وامتنع، وصيد المُرَع (طائر يشبه الدُّرَج)، وظهرت في الأرض لُمَع (المرعى الجيّد)." وقيل فيه: "بسعد بلع، بتنزل النقطة وبتنبلع."

السعد الثالث، هو سعد السعود. ويستدلُّ على دخوله بكوكبين بينهما أقلُّ من قيد ذراع في مرأى العين. وتقول العرب: "إذا طلع سعد السعود، ذاب كُّل جمود، واخضرَّ كلُّ عود وانتشر كلُّ مصرود (البارد) ودفيء كلُّ مبرود." ونقول: "إذا طلع سعد السعود، نضر العود، ولانت الجلود، وكره الناس في الشمس القعود." ويحلُّ السعد الرابع، وهو سعد الخبايا مع رؤية ثلاثة كواكب في السماء تشبه رجْل البطَّة. ويُسمَّى أيضًا "سعد الأخبية" لخروج المخبَّآت فيه من الثمار والحشرات. وتقول العرب: "إذا طلع سعد الأخبية، دهنت الأسقية، وتُركت الأجوية وتجاورت الأقنية."] وبعد هذه السعود يحلُّ يوم النيروز، ويبدأ فصل الربيع وقد أخضرَّت الأرض، وتفتَّقت البراعم مزيِّنة الشجر بحلَّة قشيبة تُدخل البهجة على النفس.

تفاءلت بُنَيَّتي بدخول فصل الربيع، علَّه بعد معاناة أهالي بلاد الشام من سعود أربعة تجاوزت أيَّامها السنتين، عمَّ فيهما العنف والقتل والدمار، وشحَّ الماء والغذاء، وحلَّ ما يزيد على المليون سوري في خيام تعصف بها الرياح، لتغرقها في الوحل والمياه الراكدة، أن يأتي الربيع بابتسامة الفرج بعد الشدَّة، وتعود بلاد الشام لسابق عهدنا بها. دار لا تقبل الظلم ولا الاستبداد، وتنشد الأمن والأمان بالحرِّيَّة والعدل والمساواة.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي