قالوا للفاتح

عادت رشا والعود أحمد

مدريد – الجمعة 4 يناير 2013
بقلم: محمَّد بشير علي كردي

يسأل الصحب عن رشا وقد غابت عن هذه الصفحة ردحًا طويلاً من الزمن. لهم أقول: إنَّ رشا تجول وتصول بين مخيَّمات اللاجئين السوريِّين في البلدان المحيطة ببلدهم المنكوبة بحاكمها. فهي حلقة اتِّصال بين جمعيَّات الإغاثة العاملة داخل مخيِّمات اللاجئين في كلٍّ من تركيا والعراق والأردن، وبين الجمعيَّات الإنسانيَّة المتطوِّعة في إسبانيا لمساعدة الشعب السوري، وتأمين وصول المساعدات العينيَّة من أدوية ومواد غذائيَّة وملبوسات وبطَّانيَّات إلى مستحقِّيها مباشرة. علاوة على ذلك، تسعى جاهدة لجلب المزيد من الأطبَّاء بدون حدود ليقدِّموا خدماتهم الإنسانيَّة لعشرات الألوف من الجرحى. لذا، تجدها تتنقَّل بين المدن والأرياف المحرَّرة من تسلُّط الأسد للوقوف على الاحتياجات الضروريَّة من أطبَّاء وأدوية، وإلى الأماكن المنكوبة الصامدون أهلها، ومنها مدينة حمص التي تضمُّ رفات سيف الله المسلول خالد بن الوليد، أحد قادة الجيوش القلائل في التاريخ الذين لم يهزموا في معركة طوال حياتهم. وتغلَّب في أكثر من مائة معركة على قوَّات متفوِّقة عددًا من الإمبراطوريَّات الروميَّة البيزنطيَّة والساسانيَّة الفارسيَّة، إضافة إلى العديد من القبائل العربيَّة الأخرى. والعاصمة دمشق التي يتوسَّطها المسجد الأموي الكبير وفي داخله رفات نبيِّ الله يحيى (يوحنَّا المعمدان)، وبالقرب من المسجد ضريح القائد صلاح الدين الأيُّوبي الذي قاد عدَّة حملات ومعارك ضدِّ الصليبيِّين الأوروبيِّين في سبيل استعادة الأراضي المقدَّسة التي كان الأوروبيُّون قد استولوا عليها في أواخر القرن الحادي عشر. وتمكَّن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس. ولتسامحه ومعاملته الإنسانيَّة لأعدائه، كان من أكثر الأشخاص تقديرًا واحترامًا في العالمين الشرقي الإسلامي والأوروبِّي المسيحي.

في آخر اتِّصال بيننا، كانت رشا في حالة من الذعر والهلع لمواجهتها الموت في أكثر من موقع. فغارات طيران النظام وقصف مدافعه وهجمات الشبيِّحة لا تميِّز بين المقاومين وبين المدنيِّين من الأهالي والمتطوِّعين القادمين من بلدان بعيدة لمدِّ يد العون والمساعدة للمحتاجين والمتضرِّرين أيًّا كان انتماؤهم الطائفي والسياسي. كادت القذائف التي تطلقها طائرات النظام وراجماته تودي بحياتها لولا لطف الله وحماية السوريِّين لها ممَّن كانوا حولها لمعرفتهم بما تؤديَّه من خدمات إنسانيَّة.

وأضافت رشا بأنَّ كلَّ من التقتهم، وتحدَّثت معهم من المقاومين، وجدتهم يقاتلون من أجل بلد آمن وموحَّد يعيد من جديد سدى نسيج الوطن ولحمته التي شاءت إرادة الله أن يكون في بلاد الشام على شكل فسيفسائيٍّ بديع، جمع بين العديد من الأديان والأعراق واللهجات ليعطي مثلاً حيَّا لقوله تعالى: {وَخَلَقْنَاكُمْ شُعَوْبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكًمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} وقد خَّلد التاريخ قدرة هذا النسيج المتماسك على إقامة إمبراطوريَّات شملت معظم شعوب قارتيِّ آسيا وأفريقيا، ووصولاً إلى شبه الجزيرة الأيبيريَّة. وكان العلم والعدل وكرامة الإنسان أهمَّ ركائزها.

تضيف رشا، حتَّى الأماكن الأثريَّة الشاهدة على ما قدَّمته الحضارة العربيَّة والإسلاميَّة للإنسانيَّة لم تسلم من الغدر والعدوان، فنالها ما نال المدن والقرى والأرياف السوريَّة من قصف وتدمير وإبادة. وتتساءل رشا بحسرة وألم: أين منظَّمة اليونسكو الراعيَّة للتراث الإنساني؟ وماذا فعلت للحفاظ على تراث أقدم حضارة شهدتها البشريَّة؟ وأين ما يسمَّى العالم المتحضِّر؟ أليست حضارته اليوم، وما تنعم به شعوبه من رفاهية بفضل حضارة بلاد الشام والرافدين المنكوبة بحكَّامها؟ أولا يكفيهم ما نال العراق وتراثها من تدمير حتَّى استداروا نحو سورية وتراثها؟ أم أنَّها رغبة صهيونيَّة في إضعاف الجبهة الشماليَّة لفلسطين المحتلَّة وتمزيق سدى النسيج الوطني لبلاد الشام وأراضي الرافدين ولحمته؟ إذا كان الحال كذلك، فقد نال العرب من عالم اليوم المتحضِّر جزاء سنمَّار. وليس هذا بالمستغرب أو المستبعد، لكونهم مَن زرع الكتل الاستيطانيَّة الصهيونيَّة في قلب العالم العربي عند مفصل قارَّات العالم الثلاث، وأعطاها شرعيَّة دولة ما أن شبَّت عن الطوق حتَّى استأسدت على صانعيها، فأخضعتهم لسلطتها، وتحكَّمت في قرارات الشرعيَّة الدوليَّة. فلا قرار ينفَّذ إلاَّ إذا كان منسجمًا مع سياستها التوسعيَّة والتسلُّطيَّة الرامية إلى التحكُّم باقتصاد شعوب العالم.

وتستغرب رشا قناعة العديد من حكَّام العرب بأنَّ الغرب يملك الوصفة السحريَّة لتخليص العالم العربي من الفرقة والتمزَّق وإنهاء الصراع العربي الصهيوني، وأنَّه حقًّا قادر على إقامة دولة فلسطينيَّة عاصمتها القدس الشريف!

تقول رشا بأنَّ المقاومين السوريِّين لنظام الأسد، يؤمنون بالمثل القائل: مَا حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِكَ فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيْعَ أَمْرِكَ. وبأنَّ لِلْحُرِيَّةِ الحَمْرَاءَ بَابًا تَدَقُّهً الأَيَاديِ المُضَرَّجَةُ بالدِّمَاءِ. فتجدهم يعتمدون على سواعدهم في إنجاح ثورتهم، وإعادة بناء بلدهم سورية التي هي جزء لا يتجزَّأ من الأرض المقدَّسة التي تضمُّ بيت المقدس وبيت لحم.

وبمناسبة الحديث عن الأراضي المقدَّسة، تودَّ رشا أن تبارك لأهلها في إسبانيا ولقرَّاء هذا المقال بما هو قادم من مناسبات مقدَّسة، ومع حلول العام الجديد 2013، راجية المولى أن يتوقَّف نزيف الدم حيثما كان فوق هذه المعمورة، وعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم. وهي على ثقة بأنَّ القادرين من الأشقَّاء العرب لن يبخلوا على إخوتهم في سورية في تقديم الدعم المالي لإعادة بناء ما هدَّمه النظام المستبدُّ من مدن وقرى ومزارع، وإعادة الحياة إلى طبيعتها.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

المقالات في زاوية "رأي" تعبر عن آراء الكاتب وليس بالضرورة بان اورينت نيوز

بان اورينت نيوز

فبراير. 01: عزاء لليابان


رأي