اليابان: حبيبة بين حبيبين

مدريد – الخميس 20 نوفمبر 2012
بقلم محمَّد بشير علي كردي

للعرب قبل الإسلام وبعده عادات وتقاليد في العلاقات العاطفيَّة بين الجنسين الذكوري والأنثوي لو خالفها أحد منهم لسالت دماء وزُهِقت أرواح. والحال ذاته، إذا شبَّب أحد ما بفتاةٍ فتنه جمالها دون معرفة بها أو لقاء، بقصد أو بدون قصد، ينال من ذويها أشدَّ العقاب.

في غابر الزمن، كان التشبُّب بفتاة يقود إلى حروب دامية بين قبيلة الفتى وقبيلة الفتاة. ومعلَّقات الشعر الجاهلي حافلة بالعديد من حكايات المُحبِّين وما جناه الحبُّ على ذويهم من اقتتال دام لسنوات، سالت خلالها دماء بريئة. ولغاية اليوم، يغار الرجل على محارمه، ولا يقبل على الإطلاق أن تأتي أسماؤهنَّ أو سيرتهنَّ أو ذكر مفاتنهنِّ على ألسنة الآخرين.

خالفت سيِّدة الطرب العربي أمُّ كلثوم هذا العرف وتلك التقاليد لمَّا غنَّت قصيدة "انت الحب" من نظم شاعر الحبِّ والغرام أحمد رامي برفعها الصوت عاليًا وهي تردِّد دون خوف أو وجل:

"أهواك فى قربك وفـ بُعدك واشتاق لوصلك وارضى جفاك
وإن غبت احافظ على عهدك وأفضل على ودِّي ويَّاك
يورد على خاطرى كل اللى بيناتنا اتقال
ويعيش معاك فكرى مهما غيابك طال
ولما اشوف حد يحبَّك يحلا لي أجيب سيرتك ويَّاه".
ليقابلها جمهورها بالتصفيق الحادِّ وطَلَبِ الإعادة.

أمَّا عزاءُ المُحبِّين في مُشاركة الآخرين حبَّهم، فيلخِّصه لهم أبو تمَّام في رباعيَّته التي ما تزال تتردَّد على ألسنة العشَّاق:

نَقِّلْ فُؤَدَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى مَـا الحُـبُّ إِلاَّ لِلَحَـبِيْبِ الأَوَّلِ
كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى وَحَنِيْنُـهُ أَبَـــدًا لأَوَّلِ مَنْــــزِلِ

لا أخفي على القارئ العزيز أنَّني من الغيورين على مَن أُحبُّ. لا أقبل مَن يشاركني حبَّ الحبيبة حتَّى ولو كانت المشاركة على شكل قصَّة أو قصيدة أو إهداء أغنية أو تلميح لا يدركه إلاَّ مَن له علاقة بالأمر.

اليوم، كان موقفي من الغيرة متباينًا وأنا أقرأ لأخ لي بالاختيار، أهداني مشكورًا نسخة من سيرته الذاتيَّة، فيها يتحدَّث - وعلى عينك يا تاجر- عن جمال حبيبتي ومفاتنها التي يصفها بأدقِّ التفاصيل حتَّى تكاد "تَتَقَرَّاهَا الأَيِدِي بِلَمْسِ"، حيَّةً تُرزقُ من بين سطورها، كما في وصف البُحتري.

لم أعتب عليه ولم أغضب، وهو القريب منِّي، والعارف قصَّتي مع المحبوبة ذاتها. ويعرف بالتأكيد أنَّ علاقتي بها بدأت قبل سنوات من تعرُّفه إليها. أبقى كلٌّ منَّا الحال مع الحبيبة ذاتها على ما هو عليه من وصلٍ وولهٍ لايخفيه أحدنا عن الآخر. لا بل كثيرًا ما التقينا في رحابها لنستنشق معًا - وعلى عينك يا تاجر - شذى عبيرها، ونمتِّع العين بما أنعم الله عليها من جمال الخَلْقِ والخُلًقِ.


كنت توَّاقًا أن أكون السابق في نشر قصَّتي مع الحبيبة، والحديث بصراحة عن حبِّي لها الذي وصل درجة العشق لأثبت أقدميَّتي في حبِّها، لولا أحداث أرض الكنانة المؤسفة التي قسمت البلد قسمين في سابقة تاريخيَّة لم تشهدها البلاد من قبل، تسبَّبت في بُطْء الأعمال وتدهور الأحوال وخروج الجماهير إلى الميادين والساحات ما بين موالٍ للرئيس ومُعارضٍ له. شمل ذلك التسيُّبُ عمَّال دور الطباعة، فلم يكن من مفرٍ أمام دار النشر التي تكرَّمت بنشر قصَّتي إلاَّ نقل المسوَّدة إلى مطابعها في بيروت لتُطبع وتُجلَّد هناك، على أمل أن يلطف الله بالعباد، ويعود الأمن والأمان لعاصمة المعزِّ، فتصل المطبوعة بحلَّتها القشيبة إلى مخازن الدار في القاهرة قبل أن يودِّعنا عام 2012 لتحتلَّ نسخ منها أرفف معرض الكتاب مع نهاية هذا العام.

أمَّا مَن شاركني حبَّ حبيبتي، فقد وجد ضالَّته في دار "فضاءات للنشر والتوزيع" في عمَّان التي أتمَّت بإتقانٍ وإخراجٍ مميَّز إصدارَ سيرته الذاتيَّة تحت عنوان: "وتبقى أشجار الكرز تزهر في قلبي دومًا". يعني أشجار الساكورا في اليابان. ومع عودة الحياة للطبيعة، ودخول فصل الربيع، تتفتَّح براعم هذه الأشجار، ويحتفل أهل محبوبتي بهذه المناسبة، وينطلقون على سجاياهم مرحًا وغناءً وإلفةً ومحبًّة في الحدائق العامَّة والشوارع التي تظلِّلها أشجار الساكورا.

تحدَّث "منافسي" في سيرته الذاتيَّة عن محبوبتنا وهو يدوِّن محطَّات مشواره الدبلوماسي، بدءًا من ديار الحبيبَّة، أولى محطَّات عمله الدبلوماسي، ونهايته وهو يودِّعه فيها.


ولكون حبِّ حبيبتي راقيًا، وتعاملها مع عشَّاقها كريمًا، فقد قبلتنا معًا لتأكُّدها بما تمتَّع به من حُسن وجمالٍ، وبأنَّ الله جميل يحبُّ الجمال. وحبُّ البشر للجمال مِن حبِّهم الله، ولكلِّ واحدٍ منهم نصيب، كما يقول مثلٌ دارجٌ: "مَن حَضَر القسمة، فليقتسم." وها نحن أمامها عاشقان لجمالها، ولنا نصيبٌ من ودِّها ووصالها. وها هي تُكرمُ وِفادتِنا وتجود بكرمها، معي أوَّلاً، ومعه بعد سنوات. وقع كلٌّ منَّا في حبِّها من أوَّل نظرة وابتسامة. وتابعتنا حبًّا وكرمًا حتَّى نهاية المشوار، تاركة في وجداننا من الذكريات أحلاها، ومن الأصدقاء أوفاهم وأصدقهم قولاً وعملاً.

لا بدَّ من أنَّكم، مع استغرابكم لجرأتي في الحديث عمَّن شاركني حبَّ حبيبتي عن رضًا وطيب خاطر، تودُّون التعرَّف إليه لحرصكم على اقتناء نسخة من سيرته الذاتيَّة! لَكُم، أقول: إنَّه الأخ بالاختيار، والزميل والصديق، الأستاذ سمير عيسى الناعوري الذي التقيته أوَّلاً في مدريد، ونحن نتسلَّق سلَّم العمل الدبلوماسي، ومن بعد في طوكيو، وكلٌّ منَّا مُعْتَمدًا من مليكه سفيرًا ومفوَّضًا فوق العادة لدى جلالة إمبراطور اليابان. وسبق لكلٍّ منَّا أن بدأ مشواره الدبلوماسي في اليابان، وفيها أنهاه.

في المرحلة الأولى، كنَّا شاهِدَين على جدِّ هذه الأمَّة العظيمَّة واجتهادها، وأهلها يعملون ليلاً ونهارًا بجدٍّ وإخلاص للتخلُّص من تداعيات الحرب المدمِّرة، وإعادة بناء أطقمهم البشريَّة مُسلَّحين بالعلم والمعرفة حتَّى ولو جاءت من بلدِ مَن قصف مدنهم بالقنابل الذرِّيَّة. فالعلم مُشاع لمَن يريد المعرفة. وكَتْمُ المعرفة، في عُرفهم، بتعليمات إمبراطورهم المُصلح ميجي سان (1868 – 1912)، غيرُ جائز.
في سنوات خدمة كلٍّ منَّا الأخيرة، كنَّا شاهِدَين على ما توصَّلوا إليه في عالم التقنية والاقتصاد والصناعة والعلاقات الدوليَّة من رقيٍّ، كأنَّنا بهم يتمثَّلون الحديث النبوي الشريف: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنِهُ.

وكم أتمنَّى أن يأخذ شبابنا السعودي المستفيد من برنامج خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز للابتعاث الخارجي، وهم بمئات الألوف - ولله الحمد ولوليِّ أمرنا الشكر- أن يأخذوا عبرةً من التجربة اليابانيَّة، فينكبُّوا على دراستها، ويقفوا على قواعدها التي أوصلت اليابان في سنوات قليلة إلى ما هي عليه اليوم من تقدُّمٍ وازدهار، سُداه ولُحمته الولاء للوطن والحرص على تصدُّرهم قمم المعرفة لعطاء أفضل من أجل مستقبل واعدٍ بالعيش الكريم. وبالتأكيد، سيجدون لأخي سمير ولكاتب هذه السطور العذر في اشتراكنا حبِّ الحبيبة ذاتها، وعلى أمل سهرة ربيعيَّة مُمتعة تحت ظلال الساكورا في حدائق اليابان العامَّة.

محمَّد بشير علي كردي سفير المملكة العربية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


رأي