حنينٌ إلى أحلى سنواتِ العمرِ في اليابان

مدريد- الإثنين 12 نوفمبر 2012
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي
خاص لوكالة بان اورينت نيوز

ورجعتَ. "ما أحلَى الرجوعَ إليه." كلمات شاعرِ الحبِّ والغَزَلِ، نزار قبَّاني، لحَّنها الموسيقار المُبدع محمَّد عبد الوهاب، وشَدَتْ بكلماتها المطربةُ نجاةَ الصغيرة.

وجدت نفسي أدندن تلك الكلمات بنشوةٍ وفرحٍ، وطائرة "إير فرانس" تقترب من مدرَّج مطار أوساكا في اليابان.

هذه هي المرَّة الرابعة التي أزور اليابان بعد تمتُّعي بالتقاعد لأراجعَ حساباتي وأرصدتي التي جمعتها خلال سنوات عملي في اليابان بدايةِ من عام 1963 وأنا على أولى درجات السلَّم الدبلوماسي، ونهاية مع ربيع عام 1998 سفيرًا لخادم الحرمين الشريفين لدى البلاط الإمبراطوري.

ثروة أمثالي من الدبلوماسيِّين بعد تقاعدهم، تتمثَّل في أصدقائهم الذين يحافظون على الودِّ والمحبَّة. وكنت قد أخذت بنصيحةِ زميلٍ دبلوماسيٍّ سبقني في هذا المجال: "أن أَمْتَلِكَ بيتًا في كلِّ بلدٍ أعَمَلُ فيه!" ولمَّا أجبته بتَعذُّر ذلك، لتكلفته من جهةٍ، وعدم توفُّر الوقت لاستمتاع المتقاعد بأكثر من بيت واحد خارج بلده حتَّى لو كانت الجيبُ عامرةً. أفادني بأنَّ البيوتَ التي عناها، لا تكلَّف ريالاً واحدًا، لأنَّها بيوتُ مَن نكسبهم أصدقاءَ يرحِّبون بمقدمنا كلَّما تمكَّن أحدنا مِن زيارتهم، ويوفِّرون له بينهم الإقامةَ المريحةَ.

تتميَّز زيارتي هذه المرَّة من سابقاتها بأنَّها جاءت بدعوةٍ كريمةٍ من معالي وزير التعليم العالي في المملكة للمشاركة في الأسبوع الثقافي للمملكة في مدينة أوساكا الذي استمرَّ من 8 إلى 15 أكتوبر 2012 متوَّجًا بأداء ثماني سنوات مِن عملٍ دؤوبٍ للمحلقيَّة التعليميَّة في طوكيو التي يرأسها سعادة الدكتور عصام بخاري بتعاون وثيق مع سعادة السفير عبد العزيز تركستاني، ومِن قبلُ سلفه سعادة السفير فيصل طراد. عملٌ مُتفانٍ هيَّأَ لما يقارب الخمسمائة طالب وطالبة من شباب المملكة نهلَ العلم والخبرة من اليابان بفضل برنامج خادم الحرمين الشريفين للإبتعاث الخارجي الهادف إلى إعداد أجيال متميِّزة لمجتمع معرفيٍّ مبنيٍّ على اقتصاد المعرفة بتوجيه الكفاءات السعوديَّة المؤهَّلة للدراسة في أفضل الجامعات على مستوى العالم، وتبادل الخبرات العلميَّة والتربويَّة والثقافيَّة مع مختلف دول العالم.

قبلَ مباشرة الملحقيَّة الثقافيَّة مهامها، كان عدد المُبتعثين بضع عشرات، جلُّهم من منسوبي وزارة التعليم العالي وشركتي أرامكو وسابك، تولَّى الإشراف على تحصيلهم العلمي الدكتور سعد الخطيب من منسوبي أرامكو، وهو الأقدم من بين السعوديِّين المقيمين في اليابان.
مرَّت أيَّام الأسبوع الثقافي بسرعة. يبدو أنَّ الأوقاتِ الجميلةَ والمُمتعةَ من طبيعتها أن تتسابق مع الزمن لتبقى ذكراها مُحَفِّزةً على العودة.
كانت الندوات على مستوى طموحات المملكة في استثمار الطاقة البشريَّة، الثروةِ الدائمةِ والفاعلةِ في بناء الأمم. أبدى المؤتَمِرون اليابانيُّون المُشاركون في الندوة استعدادًا ملموسًا للتعاون في المجالات كافَّةً لتحقيق شراكة فعليَّة تتخطّى الشراكة الاقتصاديَّة التي ينعم بها بلدانا لتغطِّي الجوانب الإنسانيَّة والثقافيِّة لمجتمعين آسيويِّين لديهما من القيم والأصالة ما يمكِّنهما من التواصل المثمر والمفيد للجميع. وعبَّرَ نُظراؤهم السعوديُّون عن رغبٍة في المزيد من التعاون لإعداد أطقمٍ بشريَّة سعوديَّة جيَّدةِ التدريب وقادرةٍ على العطاء من أجل مستقبل واعدٍ بالخير للأجيال القادمة، يعتمد على ثروة العقولِ قبل اعتماده على ثروة البترولِ. تمنَّيت أن يُزادَ صفرٌ على يمين الرقم الممثِّل لأعداد المبتعثين إلى اليابان، ليصبحَ بالآلاف بدلاً من المئات. لديَّ أمل بأن يرتقي العدد إلى ما أتمنَّاه بعد أن سمعت من الطالب براء، أحد المُبتعثين حديثي العهدِ باليابان بأنَّه في غاية السعادة لوجوده هنا. وكم تمنَّى لو أنه وصل اليابان فور حصوله على المؤهَّل التعليمي للإبتعاث! ويودُّ أن تكون اليابان اختيارَ زملاءٍ له في المملكة لم يقرِّروا بعدُ وجهَتهم لطلبِ العلم في الخارج.

في اليوم الأخير من إقامتي في أوساكا، زرت الحديقة الوسطى التي تتوسَّط النهر، وتمتَّعت كثيرًا بتنسيقها البديع، وبما ضمَّته من أحواضٍ للورود من مختلف الأنواع والألوان والأريج مستوردةٍ من العديد من بلدان العالم، ويحمل كلُّ حوض اسم النبتة وبلد منشأها.
تمنَّيت على سفارتنا في طوكيو بأن تهدي الحديقةَ شتلاتٍ من ورودِ تبوك والطائف، ليرتفع اسم المملكة إلى جانب البلدان الأخرى التي لورودها أحواض في تلك الحديقة.

قليل من أصدقائنا خارج المملكة يعرفون أنَّ مزارعَ تبوك شمال المملكة تصدِّر ورودًا حتَّى إلى هولندا قيمتها ملايين الدولارات.
غادرت أوساكا مع نهاية الأسبوع متوجِّها إلى طوكيو مع توقُّف لساعات في مدينة ناجويا.
وللحديث بقيَّة، بعون الله.

محمَّد بشير علي كردي أديب سفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


مارس. 22: سعد الخبايا


رأي