قالوا للفاتح

زواج دائم أم طلاق بائن!

مدريد – الثلاثاء 27 ديسمبر 2011
بقلم الكاتب الأديب محمد بشير علي كردي
خاص لوكالة بان اورينت نيوز

بعد انقطاع طويل عزته رشا لما يسمَّى "الربيع العربي" أو "تسونامي الحرِّيَّة الذي اجتاح عددًا من الدول العربيَّة، تقول بأنَّها وزملاء لها في الجامعة حرصوا على متابعة الأخبار بدقَّة ومثابرة لم تعهدها من قبل، وشرعوا في توثيق أسبابها وما تمخَّضت عنه من نتائج لمماثلتها بأحداث الثورة الفرنسيَّة وتداعياتها للتأكُّد من مقولة "التاريخ يعيد نفسه"، أو أنَّ لكلِّ زمان أمراضه وطرق علاجه.


ولكي لا أستبق بتعليقي ما قد يُلبس الأمر عليها، قالت بأن البحث والتوثيق ما يزالان مستمرَّين إلى أن تتضح الرؤية ويتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وأضافت بأنَّ ذلك لن يحصل قبل أن يستقرَّ الحال، وينقشع الضباب، وتهدأ النفوس عند عرب الشمال وعرب الجنوب. وتمنَّت ألاَّ يطول الانتظار! فالدماء ما تزال تسيل بغزارة لتزيد عدد الأرامل واليتامى والأمَّهات الثكالى والآباء المفجوعين بفلذات أكبادهم، وتعمَّق الجراح التي لا التآم لها إلاَّ بتوفير الظروف التي تمكِّن الأمَّة من استعادة أنفاسها والاطمئنان على مستقبل أبنائها.

وبألم يشوب صوتها، قالت بأنَّ ذلك لن يكون إلاَّ بعد وقف النزيف بأيَّة وسيلة، اليوم قبل الغد، ولجوء الأمَّة إلى صناديق الانتخاب لاختيار مَن هم أهل للثقة في تسلُّم مقاليد الحكم وإعادة بناء ما هدَّمته الأحداث على الصعيدين النفسي والمادي.


تابعت رشا، مستشهدة بحديث سمعته من صديق لي من أهل الصحراء كانت قد التقته حينما زارني في مدريد، وأعجبت بطريقة تحليله المواضيع المتشابكة والمعقَّدة واقتراح الحلول المناسبة لها. طلبت عنوانه لمراسلته واستمزاج آرائه عن الأحداث الجارية، وللحديث مع زوجته أم عبد الرحمن التي وجدت فيها الزوجة التقليديَّة المطيعة والمدبِّرة ناهيك عن سفرتها الشهيَّة.
أجبتها بأنَّ أمَّ عبد الرحمن لم تعد على ذمَّته بعد أن تزوَّج من ابنة خالة له في مقتبل العمر كانت قد زارته مع والدتها العام الماضي للمرَّة الأولى بعد أن حضر حفل عقيقتها في السابع من يوم ولادتها. قالت له وهما يتبادلان الحديث في أمور الحياة: بغيتك يا سيدي الشيخ؟ فطلب على الفور المأذون الشرعي وعقد نكاحه عليها. ما كان من أم عبد الرحمن إذ ذاك إلاَّ الاستئذان بالعودة إلى بيت أهلها لعدم استطاعتها الإقامة مع ضرَّة في عمر بناتها. أذن لها وأتبعها بوثيقة الطلاق.


بسؤالي له عن الاستجابة السريعة لطلب ابنة خالته الزواج منه، وإنهاء عقد زواجه من أم عبد الرحمن، قال بأنَّ الزواج هو عقد بين طرفين يخدم رغباتهما. فإذا ما رغبت المرأة في رجل، فعليه أن يقيم علاقته معها وفقًا للشرع، أي بعقد زواج. وإذا رغبت الزوجة بالانفصال والعودة إلى بيت أهلها، فعليه تلبية طلبها وإنهاء العقد. وأضاف بأنَّ تصريح ابنة خالته بقولها "بغيتك يا سيدي الشيخ"، يعني أنَّها بحاجة إلى الاقتران برجل، وأنَّها رأت فيه الرجل المناسب. وإذا لم يستجب لرغبتها، قد يدفعها رفضه إلى طريق الغلط الذي لا يقرُّه دين ولا عرف. لذا، فمن حقِّ زوجته طلب الانفصال إذا رأت عدم قدرتها على تحمُّل ضرَّة لها في المنزل.

وقد شبَّه ذلك بعقد شرعيٍّ بين الحاكم والرعيَّة. فإذا ما أبدى شخص أو عدَّة أشخاص الاستعداد لإدارة شؤون الأمَّة، فعلى الطرفين توثيق العقد بانتخابات تفصح عن رأي الأمَّة فيمن يثقون بحسن قيادته. وإذا وجدت الأمَّة صعوبة في التعامل معه، فعليه أن يقدِّم استقالته ويعطي الفرصة لغيره ممَّن تختارهم الأمَّة عبر صندوق الاقتراع، وأن يتمَّ ذلك بيسر وسهولة كما تركت فيه أم عبد الرحمن منزل الزوجيَّة وفتحت بابه للزوجة الشابَّة.


لم تقتنع رشا بكلِّ ما سمعته عن الشيخ أحمد وعقد الزواج، لكنَّها أقرَّت بأنَّ عقد الأمَّة مع رئيسها هو عقد بين طرفين محدَّد بشروط ومدَّة، ينفسخ حالما ترغب الأمَّة بفضَّه، إذا لم يلتزم الرئيس بما نصَّ عليه، أو تجاوز مدَّته، فعلى الرئيس الاستجابة الفوريَّة لرغبة الشعب، وإلاَّ!
قبل أن تكمل كلامها، قلت: وإلاَّ ماذا يا رشا؟
أجابت: القمع والقتل.

والقتل من المحرَّمات في كلِّ الأديان والمعتقدات، مهما كانت أسبابه ودوافعه، إلاَّ إذا كان قصاصًا وفق الشرائع السماويَّة، وسآلت عما إذا كان اليابانيون، بما عرف عنهم من قيم إنسانية راقية، يشاركونها الرآي في تحريم القتل، وما إذا كانوا على اتفاق مع أبو عبد الرحمن وهو يشبه علاقة الحاكم بشعبه بعلاقة الزوجين، تستمر العلاقة بينهما ما دامت ودية، وتنقطع حالما يستبد الحاكم بمقدرات البلد والعباد ليفسح المجال لغيره في رعاية مصالح شعبه .


محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير سابق للمملكة العربية السعودية في اليابان

بان اورينت نيوز


فنون وثقافة