قالوا للفاتح

اليابانيون: دقَّة في المواعيد وإتقان في العمل

برامج رحلات اليابانيين وضيوفهم "محسوبة بالدقيقة"

مدريد- السبت 26 نوفمبر 2011
بقلم الأديب محمد بشير علي كردي
حصرياً لوكالة بان اورينت نيوز

ما أن عَلِمَتْ بُنَيَّتي بوجود السيِّدة هيرومي يوكوئي Hiromi Yokoi، نجمة الإعلام الياباني في المملكة لإعداد ملفِّ عن بلدنا ليقدَّم لمشاهدي التلفزيون الياباني حتَّى تملَّكها شعور مُلحٍّ لمشاهدته لترى كيف ترى الأعين اليابانيَّة بلدنا، فليس مَن رأى كمن سمع.

أيَّام قليلة أمضتها الإعلاميَّة هيرومي يوكوئي وفريقها التقني في المملكة، تمكَّنت معها من التجوال في البلاد من غربها إلى شرقها، وأجرت حواراتٍ صريحةً مع رجال المال والاقتصاد من أجل فتح قنوات جديدة توثِّق العلاقات الوديَّة القائمة بين المملكة العربيَّة السعوديَّة واليابان وتدعمها.

علاقات أخذت في السنوات الأخيرة منحنًى إيجابيًّا بعدما توافقت وجهات النظر اليابانيَّة والسعوديَّة على الخطوات الواجب اتِّخاذها لمواجهة تحدِّيات القرن الحادي والعشرين إبَّان الزيارة التاريخيَّة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في خريف عام 1998 -(كان وليَّ عهد للمملكة). آنذاك، فُتحت صفحة جديدة لتعاونٍ بدأ في استثمار الطاقة البشريَّة.

ففي يابان اليوم مئات من شبابنا يحضِّرون الدراسات العليا ويشاركون في الأبحاث العلميَّة. والأمل معقود على إضافة صفر إلى عددهم ليكونوا بالآلاف خلال العشر سنوات القادمة بعون الله، وبجهد المُشرفين على البعثة التعليميَّة السعوديَّة التابعة لوزارة التعليم العالي التي يديرها شاب من أفضل مَن عرفتهم علمًا وخلقًا وإدارة. وتحظى بعناية مميَّزة من سفير المملكة لدى اليابان، وكان نفسه مِن أوائل مَن قطف ثمار العلم في اليابان وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعاتها.

غير أنَّ معرفة بُنَيَّتي بالمُدد التي يمضيها المنتدبون السعوديُّون في مهمَّات خارج المملكة، تساءلت عمَّا إذا كانت مدَّة تقلُّ عن مائة ساعة كافية للتعريف ببلدٍ ما ونقل صورته؟ أجبتها بأنَّها كافية عند اليابانيِّين. فكلُّ عمل أو مهمَّة يسبقه الإعداد الجيِّد والدراسة الوافية للمهمَّة والأماكن التي سيزورنها والشخصيَّات التي سيقابلونها، وليس هناك وقت ضائع، فهو محسوب بالدقيقة والساعة.

ضربت لها أمثلة على ذلك ببرامج الزيارات الرسميَّة لكبار الشخصيَّات من ملوك ورؤساء ووزراء، فهي محدَّدة بالدقيقة والساعة. تُحدَّد مغادرة مقر الإقامة الساعة الثامنة وسبعة عشرة دقيقة مثلاً، لمقابلة مسؤول ما على الساعة التاسعة وأربعة دقائق، وهكذا! في حين أنَّها في مشرقنا العربي، تُحدد بالساعة ونصف الساعة، ونادرًا ما يرد رُبع الساعة لتحديد موعد! وكنَّا إلى وقت قريب، نحدِّدها قبل صلاة الظهر، أو بعده، أو بعد صلاة العصر. وإذا ما حدِّدت بعد صلاة العشاء، فالوقت مفتوح إلى قرب منتصف الليل.

لم تستغرب بُنَيَّتي حرص اليابانيِّين على الوقت، فالصنَّاع اليابانيُّون الذين يتحدُّون السويسريِّين في صناعة الساعات والإلكترونيَّات، لا بدَّ من أن يكونوا أكثر التزامًا من غيرهم في احترام المواعيد.

وتستفسر بُنَيَّتي، هل انضباطهم مقتصر على أوقات العمل فقط؟ قصصت عليها رحلات نهاية الأسبوع التي يقوم بها يابانيُّون لزيارة دولتين ويعودون منها بشريط مصوَّر موثَّق بآلاف الصور لما شاهدوه.

في العديد من رحلاتي بين طوكيو ولندن، كنت ألتقي سيَّاحًا يابانيِّين قاصدين لندن وباريس لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. يستقلُّون الطائرة من طوكيو إلى لندن بعد ظهر يوم الجمعة، وقد أنجزوا أعمالهم في مكاتبهم، ويصلون مطار لندن مع قرب غروب شمس يوم الجمعة (فارق التوقيت)، فيقصدون الفندق الذي تمَّ الحجز فيه مُسبقًا، ومنه يهرعون إلى مطعم مميَّز سبق أن حجزوا فيه لعشائهم، ومن المطعم إلى المسرح لمشاهدة مسرحيَّة، فجولة سياحيَّة بعد منتصف الليل، ويعودون إلى فندقهم ليستمتعوا بعض الوقت بمؤانسة زبائن البار.

في صباح يوم السبت التالي، يتناولون الفطور المُتضمَّن في الإقامة اليوميَّة في الفندق، ومن ثمَّ يقصدون متحفًا، ومن بعده صالة عرض رسومات، فجولة على المعالم الرئيسة للندن، ويتفحَّصون واجهات المباني والمخازن التجاريَّة لأخذ صور تذكاريَّة بآلة تصوير رقميَّة وأخرى تقليديَّة أبيض وأسود، وثالثة "فيديو"، ومن بعد، يقصدون مطعمًا مميَّزًا لتناول وجبة الغداء، ومنه إلى المطار لأخذ الطائرة المتَّجهة إلى باريس فيصلونها مع الغروب. هناك، تُعاد الكرَّة نفسها: الفندق فالمطعم فالمسرح فنادٍ ليليٍّ، وجلسة على بار الفندق، ونوم لساعات قليلة يتبعه الفطور، فجولة تشمل المتحف وصالة عرض رسومات، وتجوُّل في المدينة للتعرف إلى معالمها وأسواقها مع التقاط الصور التذكاريَّة، وغداء في مطعم مميَّز، ومنه إلى المطار مباشرة للعودة إلى طوكيو. هناك، قبل التوجه إلى بوابة المغادرة، يتوقَّفون في محلات السوق الحرَّة المقابلة للبوَّابة للتبضُّع لهم ولِمَن أوصاهم من المعارف والأصدقاء ممَّا خفَّ وزنه وغلي ثمنه، كقطع اللحم البقري وعلب الكافيار والسيجار الكوبي التي تقلُّ أسعارها عمَّا عليه في طوكيو، فيغطِّي الفرق كامل تكاليف الرحلة وزيادة.

في مطار ناريتا مع إشراق شمس يوم الاثنين، تحطَّ الطائرة، فيهرعون إلى مكاتبهم ليكونوا خلفها عند التاسعة صباحًا.

بعبارات قليلة ارتسمت معانيها على وجه بُنيَّتي، قالت: أنا واثقة أنَّنا سنرى بأعين فريق التلفزيون الياباني ما لم تُتح لنا فرصة مشاهدته على الطبيعة في بلدنا. فشعب يحسبها بالثانية ولا يضيِّع فرصة يمكنه الاستفادة منها، لا شكَّ يتقن عمله، لكأنَّهم يتمثَّلون الحديث الشريف: إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذَا عَمَلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يتقنه.

محمَّد بشير علي كردي أديب وسفير المملكة العربية السعودية سابقاً في اليابان

بان اورينت نيوز


فنون وثقافة