قالوا للفاتح

صحافي ايطالي يندد بالتغطية الإعلامية للكارثة اليابانية

طوكيو- الأربعاء 6 يوليو 2011 /بان أورينت نيوز/

بالنسبة إلى بيو دي ميليا، فإن موجة المد البحري التي اجتاحت الساحل الشمالي الشرقي لليابان ليست القوة الوحيدة التي كشفت ضعف الإنسان. فقد أثار زلزال 11 مارس الكبير شرق اليابان موجة مد موازية: "طوفان من المعلومات" ابتلع كلا من وسائل الإعلام الأجنبية واليابانية وكشفت عن نقص واسع النطاق من النزاهة الصحفية.

ويقول دي ميليا Pio D'Emilia في مقابلة مع صوفي نايت المحررة في صحيفة أساهي اليابانية بأن "وسائل الإعلام المحلية كانت بطيئة وليست استباقية بما فيه الكفاية في البحث عن الحقيقة،" مضيفاً أنه في أعقاب الزلزال، كان العديد من المراسلين الأجانب الغربيين منهمكين في نشر "فبركات ومحاولات تشويه وتلاعب".

وبحسب دي ميليا، وهو مراسل مخضرم لشبكة سكاي الايطالية التلفزيونية تي جي 24 في آسيا، ومراسل سابق لصحيفة مانيفيستو الإيطالية، فإن العديد من تقارير وسائل الإعلام الأجنبية جاءت من أشخاص قليلي الاطلاع على الثقافة اليابانية، وعلى الأغلب من أشخاص لم يدخلوا منطقة الكارثة. وبنفس الوقت فإن زملائهم اليابانيين لم يكونوا بأحسن حالاً، حيث راعوا في تقاريرهم الخط الحكومي أو بيانات شركة طوكيو للطاقة الكهربائية، المسؤولة عن تشغيل محطة فوكوشيما النووية الأولى المنكوبة.

ويشير بيو إلى بعض القصص الصحفية المثيرة للسخرية، بما فيها تلك التي زعمت أن اليابانيين كانوا يرتدون أقنعة للوقاية من الإشعاع، وهي في الواقع أقنعة الوقاية من أعراض حمى القش المنتشرة دوماً بين اليابانيين في جميع المواسم منذ سنوات. لكن الصحفيين الموفدين إلى اليابان لم يدركوا ذلك طبعاً. وفي مقالة أخرى، أخطأ أحد الصحفيين في فجلة بيضاء كبيرة، بأنها جزرة مشعة.

ولاحظ دي مليا وجود انحرافات أكثر خطورة. فقد نسخ أحد الصحفيين مقالة كاملة عن صحيفة أخرى أجنبية، من دون التحقق من الوقائع. وحتى برغم أن الكاتب لم يزر المكان المعني في المقالة، فقد زيّن القصة بأوصاف عاطفية. وما أثار استهجان دي مليا أن الكاتب فاز بجائزة مرموقة ومكافأة مالية بمقدار 5 آلاف يورو.

وأضاف دي ميليا لصحيفة أساهي في المقابلة بأن وسائل الإعلام الأجنبية الغربية شوهت الموقف لسببين. أولا، الكثيرون كانوا من "الصحفيين الهابطين بمظلة" أي الذين وصلوا إلى هذه البلاد وهم لا يعرفون شيئا عن اليابان وثقافتها أو تضاريسها. وثانياً، اختار العديد من المراسلين الأجانب المحليين إرسال تقاريرهم بشكل غير مباشر من أوساكا أو غيرها من المدن في غرب اليابان، حتى أن البعض كتبوا مقالاتهم من خارج البلاد.

وخلافا لأولئك الذين اختاروا البقاء على مسافة آمنة، قام دي ميليا بما اعتبره واجب أي مراسل: توجه إلى منطقة الكارثة في اليوم الأول. وبسبب إغلاق الطرق، لجأ إلى الطيران فوق المناطق المتضررة شمال مدينة أكيتا ومن هناك توجه بالسيارة جنوباً. ووصل إلى كيسينوما، المدينة التي اكتسحت معظمها أمواج التسونامي بمحافظة مياغي، صباح 13 مارس.

ومن هناك، زار العديد من المناطق الأخرى التي دمرتها موجات تسونامي، وتابع معاناة الناجين. وقال في المقابلة "ايطاليا هي أيضاً عرضة للكوارث، ولكن نحن عاطفيون أكثر - نصرخ، ونصاب باليأس، ونحمل جثث الأطفال... أما هنا فلاحظت بأن احتفاظ اليابانيين بجأشهم شيء بارز حقاً."

وكان في بعض الأحيان يضع كاميرته جانباً ليساعد الناس في البحث عن ذويهم المفقودين. وسافر بعد ذلك إلى الساحل الشرقي لمحافظة فوكوشيما، بعد انفجار الهيدروجين في محطة فوكوشيما الأولى، لتغطية الأزمة النووية.

ومرتدياً معطفا أبيض ونظارات واقية وقناع فقط، تمكن من الوصول إلى البوابة الخارجية للمحطة. وقال "برر العديد من الصحفيين عدم ذهابهم إلى ذلك الموقع بالقول مؤسستنا الصحفية لا تسمح بالذهاب داخل منطقة الحظر التي فرضتها اليابان حول المحطة وطولها 20 كيلومتراً. ولكن هذا هراء."

وقال "فقط لاتخبر مديرك. وهذا مافعلتُه. هذا هو الوضع الذي يتخذ فيه المراسل القرارات الخاصة به، ويأمل بأن تدعمه مؤسسته... طبعاً نحن لانقفز في النار، ولكن أود أن أقف أمام محطة نووية لمدة ساعتين، لأنني أعرف أن شيئا لن يحدث...لقد فعلت ما ينبغي أن يفعله كل صحفي في هذه الحالات".

ويعتقد دي ميليا أن أداء الإعلام الياباني لم يكن أفضل بكثير، وانتقدها لعدم توفير المعلومات في الوقت المناسب والحاسم بأكملها. وقال "بالنسبة لي، فقد انتهت الصحافة التقليدية السائدة، وبدأت الصحافة الجديدة. وهي التي يلعب فيها الصحفيون الأفراد دوراً في كشف الحقائق ولعبة التعتيم على المعلومات وأخطاء ما يسمى بالإعلام الرئيسي."

وقال "كانت موجات تسونامي اختباراً جيداً ليعلمنا ماذا يعني "التقرير الصحفي" حقاً: التحقق من الوقائع، وما يجري هناك والتمييز بين الآراء والقيل والقال." وأضاف بأن وسائل الإعلام فشلت أيضا في معالجة السؤال المركزي الذي يجب على الجميع أن يسأله. أيمكن لدولة تمر في مثل هذه المأساة أن تستمر بمتابعة نهج نووي مستقبلاً؟

وقال دي ميليا، الذي يعتقد أن الضغط النفسي الناجم عن القلق بشأن الإشعاعات قد يسبب المرض أكثر من الآثار المادية الفعلية لتعرضهم لليود أو السيزيوم، إن "اليابانيون لا يبوحون كثيراً، لكني متأكد أنهم يتكتمون على الكثير من المعاناة والتوتر الداخلي...والعيش مع الخوف من دمار شامل غير مقبول: لهذا السبب يجب أن يكون الناس اليوم مناهضين للنووية."

وقد ألف بيو دي ميليا كتاباً باللغة الإيطالية بعنوان "التسونامي النووية: "ثلاثون يوما هزت اليابان". وستصدر نسخة منه باليابانية.


الصورة: بيو دي ميليا يقدم تقريراً من خارج محطة فوكوشيما النووية الأولى في محافظة فوكوشيما، مباشرة بعد زلزال 11 مارس

بان أورينت نيوز


أقوال الصحف